حين يمنح نظام قانوني دولةٌ ذات سيادة للمستثمر الأجنبي حقَّ تملك العقار على أراضيها فهو يمنحه شهادة ثقة مُوقَّعة بختم الدولة تقول له: نحن مستقرون وقانوننا راسخ وبيئتنا آمنة فأقبِل بلا تردد.
هذا المعنى العميق هو جوهر قرار المملكة العربية السعودية التاريخي السماح للأجانب بتملك العقار في مناطق نوعية مختارة تشمل حديقة الملك سلمان والمربع الجديد وبوابة الدرعية والمسار الرياضي وسواها من المشاريع العملاقة التي باتت بوابة حقيقية نحو اقتصاد سعودي ما بعد نفطي يُسابق المستقبل.
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن سياقه القانوني الدولي، فقانون الاستثمار الدولي المعاصر يقوم على ثلاثة أعمدة راسخة هي المعاملة العادلة والمنصفة ومبدأ عدم التمييز وضمان حق التقاضي والإنصاف للمستثمر الأجنبي وهي مبادئ تعكسها اتفاقيات الاستثمار الثنائية BITs التي أبرمتها المملكة مع عشرات الدول، والقرار الجديد يُجسّد هذه المبادئ عملياً لأنه يمنح المستثمر الأجنبي حقاً عينياً موثقاً قابلاً للإنفاذ أمام قضاء سيادي مستقل وهو ما يرتقي بالمملكة في سلم الدول المستقطِبة للاستثمار وفق معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD.
وعلى صعيد المقارنة الدولية فإن الدول الأكثر جذباً للاستثمار العقاري الأجنبي في العالم كسنغافورة والإمارات وكندا تشترك في خاصية واحدة جوهرية هي توفير ضمانات تشريعية ثابتة غير قابلة للتقلب السياسي وهو تحديداً ما تُوفره المملكة من خلال الإطار التشريعي المحكم المصاحب لهذا القرار.
وما يميز هذا القرار عن غيره في المنطقة أنه لم يُطلَق في فراغ بل جاء محاطاً ببنيان تشريعي متكامل يشمل لجنة إشرافية مؤلفة من 13 جهة حكومية وربطاً رقمياً كاملاً ببوابة عقارات السعودية ومنصة أبشر وآلية الـ 10% على الأراضي البيضاء لكسر الجمود العقاري وتحريك الثروات الراكدة ورسوم التصرف العقاري بنسبة 5% لضمان استدامة العائد الوطني.
هذا التصميم التشريعي المُحكم يُعبّر عن فلسفة قانونية ناضجة مفادها أن الانفتاح لا يعني التنازل عن السيادة بل يعني توظيف السيادة بذكاء لجذب الثروة وتنمية الوطن؛ وآلية حق الانتفاع لـ 99 عاماً في مكة المكرمة والمدينة المنورة للحاصلين على الإقامة المميزة بقيمة 4 ملايين ريال هي معادلة تُوازن بأناقة قانونية بين الانفتاح الاستثماري والثوابت الدينية والوطنية الراسخة وتُقدّم نموذجاً عالمياً فريداً في كيفية الجمع بين الهويتين الحضارية والاقتصادية.
وفي القانون الاقتصادي الدولي ثمة حقيقة ثابتة لا يُنكرها أحد: رأس المال لا يذهب حيث الفرصة فقط بل يذهب حيث الأمان أولاً، والمستثمر العالمي الذي يضخ ملياراته في العقار السعودي اليوم لا يشتري أرضاً فحسب بل يشتري يقيناً باستقرار سياسي وأمني تجلّى في مرحلة حولت المملكة من دولة تُهيمن عليها صراعات الجوار إلى قوة إقليمية تقود الاستقرار وتصنع الاتفاقيات وتُطبّع العلاقات.
والشاهد الأبلغ على صحة هذا التقدير هو مشروع مدينة بنان للمجموعة العقارية طلعت مصطفى في الرياض الذي حقق مبيعات قياسية تجاوزت 53 مليار جنيه في مراحله الأولى وهو ليس رقماً عقارياً مجرداً بل هو برهان حي على أن الثقة في بيئة الاستثمار السعودية تحولت من مُعتقَد إلى حقيقة مُتَحقَّقة على الأرض.
هذا بالإضافة إلي القرار في أبعاده الأعمق ليس قرار عقار بل هو قرار حضارة، فالنطاقات الجغرافية المعتمدة لتملك الأجانب تضم مشاريع تُجسّد رؤية المدن الذكية المستدامة التي تُصنّف الرياض ضمن الحواضر العالمية الكبرى، وحين يمتلك الأجنبي شقة في المربع الجديد لا يمتلك مساحة سكنية فحسب بل يصبح جزءاً من تجربة مدينة تُبنى لتكون الأولى في العالم بمعايير جودة الحياة والاستدامة الخضراء والاتصال الرقمي.
هذا هو المعنى الذي يجب أن يُقرأ به قرار التملك العقاري: ليس استثناءً تشريعياً طارئاً بل هو تتويج لمسيرة إصلاح تشريعي واقتصادي تراكمي جعل المملكة اليوم وجهةً استثمارية لا تُقاوَم في خريطة الاقتصاد العالمي.
فحين تفتح دولة عريقة ذات حضارة ضاربة في التاريخ بوابتها للمستثمر الأجنبي ثقةً في نفسها لا تنازلاً عن سيادتها فذلك يعني أنها بلغت مرحلة النضج المؤسسي والقانوني الذي تتطلع إليه الأمم، وما فعلته المملكة اليوم هو أنها قالت للعالم بلغة التشريع والبنيان والأرقام: نحن هنا وهنا يُبنى المستقبل.