عاجل

في وقت سابقٍ ليس ببعيد، لم تكن المعرفة سهلة المنال لكنَّها كانت تحتاج إلى جِدٍّ واجتهادٍ وسعيٍ لمجرد الوصول إليها كمرحلة أوليَّةٍ، تليها مرحلة التفسير والفهم والإدراك لما ورد في طيَّاتها من رسائل ومعاني، وهنا تبدأ الحكاية، حيث إنَّ هذه العملية استطاعت أن تصنع قارئًا عالِمًا، رغم ضحالة المعلومات وطول الطريق، فالمنطق يقول كلَّما توافرت المعرفة والمعلومة، كلَّما أصبح الإنسان أكثر عِلمًا، لكنَّ الواقع كان له رأيٌ آخر.
واستحضارًا لهذا الواقع، يمكننا القول بأنه لم يعد السؤال اليوم: هل وصلت إليك المعلومة؟ بقدر ما أصبحت الصياغة الواجبة لهذا السؤال، هي: هل بقي لديك ما يكفي من الانتباه لتفهُّمها؟ بعدما أصبح الإنسان يعيش في عالم مليءٍ بضجيج التكنولوجيا، ففي عصر تتدفق فيه آلاف الرسائل اليومية، والإشعارات اللحظية عبر شاشات الهواتف التي لا تفارق أيدينا ولا أعيننا، لم تعد الندرة في المعلومات، وإنَّما في القدرة على التركيز والتمييز والتَّأمل، وهنا تبدو أزمتنا الحقيقية.
إنَّنا أمام شريحةٍ متزايدة من الشباب تعيش في غيابات الجُبِّ، ولا علاقة لها بالمعرفة رغم إحاطتها به من كل جانب، حتى أصبحت المعلومة هي التي تبحث عن قارئها بعدما كان القارئ يرهق نفسه في البحث عنها.
ما سبق يدقُّ ناقوس الخطر، ويخبرنا بأن الأمر في ذاته جلل، ويحتاج إلى مراجعةٍ عاجلةٍ على كافَّة المستويات المسئولة عن الإنسان في عالمنا اليوم، وفي مجتمعنا العربي على وجه الخصوص الذي يعنينا شأنه أكثر من غيره، إننا أمام مصطلحٍ جديدٍ وخطير، ألا وهو «وهمُ المعرفة»، فكثيرٌ ممن يحسنون استخدام التكنولوجيا، يعتقدون في قرارة أنفسهم أنهم حصَّلوا العلم وأحاطوا بالمعرفة، دون أن يدركوا أنهم أُحيطوا بسياجٍ متينٍ حكم على عقولهم بالتوقف المؤبَّد.
هذا الوهم هو صناعة "خوارزمية" من الطراز الأول، وضعتك في عالمٍ افتراضيٍّ ظاهره المعرفة، وباطنه والفراغ، حتى أصبحت أسير منصَّاتٍ، خُطِّط لها بعنايةٍ فائقةٍ، هدفها الأول أن تسلب إرادتك وأن تكون عزيمتك رهينة لدى المستثمرين في هذا القطاع، فتعيش أوهامًا مزيَّفةٍ تكفي لأن تبقيك ساعات وأيام وشهور، بل وسنين تائه بلا هدف، ومنفقٌ بلا قيمة.
أيها القارئ الكريم! سواءً كنت معلِّمًا أو مسئولًا أو وليَّ أمرٍ، فإني لا أجد لك حجة ولا إعفاءً من مسئولية ينبغي أن تعي مخاطرها ونتائجها التي لم تكن خفية بل أصبحنا نراها رأي العين في جيل صاعد، بلا وعيٍ ولا معرفةٍ، لا يملك أي أدواتٍ، تقيه من المخاطر التي تهدد عقله وتسلب انتباهه وتقضي على ما بقي من ملكة التدبُّر والتفكر التي فُطر عليها.
وأخيرًا، فإنَّ معركتنا الحقيقية ليست مع نقص المعلومات، بل مع استعادة القدرة على التفكير الهادئ والمتأنّي، قبل الغرق في بحور  المعلومات التي لا نهاية لها، والأمم لا تتقدم بكثرة ما تستهلكه من معلوماتٍ، وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى عملٍ نافعٍ، فأعيدوا لعقولكم وظيفتها التي خُلقت لها.

تم نسخ الرابط