مبادرة إنسانية بدأت داخل مستشفى وتحولت إلى أول مدرسة متخصصة في الصين
طبيب صيني يكرس 20 عامًا لتعليم الأطفال المصابين بالإيدزومنحهم فرصة للحياة
في قصة إنسانية ملهمة، أمضى غو شياو بينغ، المدير السابق لمستشفى للأمراض المعدية في مدينة لينفن بمقاطعة شانشي الصينية، أكثر من 20 عامًا في رعاية وتعليم الأطفال المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية، بعدما رفض أن يحرمهم المرض من حقهم في التعليم والحياة الكريمة.
طبيب صيني يكرس 20 عامًا لتعليم الأطفال المصابين بالإيدز ومنحهم فرصة للحياة
ومن فصل دراسي صغير داخل المستشفى، نجح في إنشاء أول مدرسة صينية متخصصة توفر لهؤلاء الأطفال التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي.
بداية الفكرة.. فصل دراسي داخل جناح الإيدز
انطلقت المبادرة عام 2004 عندما لاحظ غو وجود أطفال مصابين بفيروس نقص المناعة البشرية داخل المستشفى بلغوا سن الدراسة دون أن يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس.
ولم يتردد في تحويل أحد أجنحة المستشفى إلى فصل دراسي مؤقت، حيث شارك مع فريق التمريض في تعليم الأطفال أساسيات القراءة والكتابة والحساب.
وكان معظم هؤلاء الأطفال قد أصيبوا بالفيروس منذ الولادة، بينما فقد كثير منهم آباءهم بسبب الإيدز أو تعرضوا للتخلي عنهم في سن مبكرة، إلا أن العلاج المنتظم والرعاية الصحية منحاهم فرصة لمواصلة حياتهم بصورة طبيعية.
تأسيس مدرسة "الشريط الأحمر"
ومع تزايد أعداد الأطفال، أصبح الفصل المؤقت غير كافٍ، فبادر غو عام 2006، بدعم من المستشفى وتبرعات المجتمع، إلى إنشاء مدرسة "ريد ريبون" الابتدائية، التي استمدت اسمها من الشريط الأحمر، الرمز العالمي للتوعية بفيروس نقص المناعة البشرية.
تعد المدرسة الوحيدة في الصين التي تقدم تعليمًا بدوام كامل للأطفال المصابين بالفيروس، إلى جانب توفير بيئة آمنة تحميهم من التمييز وتمنحهم فرصة للنمو والتعلم.
صعوبات في البدايات وإصرار على النجاح
واجه المشروع تحديات كبيرة منذ انطلاقه، إذ أحجم كثير من المعلمين عن العمل بالمدرسة، كما انسحب بعض العمال المشاركين في تجهيز المبنى بعد معرفتهم بطبيعة الطلاب.
ورغم ذلك، تمكن غو من تكوين فريق تعليمي صغير ضم معلمين متطوعين ومقيمين، بينهم معلم مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية، ليؤكد أن المرض لا يمنع صاحبه من العمل أو النجاح.
كما تعرض المشروع لانتقادات بسبب تخصيص جزء من موارد المستشفى له، بينما رأى آخرون أن إنشاء مدرسة منفصلة يمثل نوعًا من العزل، إلا أن غو أكد أن هذه الخطوة كانت ضرورة في ظل رفض كثير من المدارس استقبال الأطفال آنذاك.
دعم حكومي ورعاية متكاملة

مدرسة للأطفال المصابين بمرض نقص المناعة
في عام 2011، بدأت السلطات المحلية تقديم دعم مالي للمدرسة، ما دفع غو إلى ترك منصبه كمدير للمستشفى والتفرغ لإدارة المدرسة بالكامل.
وتضم المدرسة حاليًا فصولًا دراسية، ومهاجع للطلاب، وكافتيريا، ومرافق للأنشطة، إلى جانب خدمات طبية وتمريضية متخصصة، حيث يشرف العاملون يوميًا على انتظام الطلاب في تناول الأدوية المضادة للفيروسات، باعتبارها عنصرًا أساسيًا للحفاظ على صحتهم.
وتؤكد التقارير أن جميع طلاب المدرسة وصلوا إلى مستويات غير قابلة للكشف من الفيروس، وهو ما يعكس نجاح العلاج في السيطرة عليه وتقليل احتمالات انتقال العدوى.
تغيير نظرة المجتمع
لم تقتصر رسالة المدرسة على التعليم، بل امتدت إلى مواجهة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض. ويتذكر غو أن بعض الأهالي كانوا يرفضون حتى استلام النقود من الأطفال خوفًا من انتقال العدوى، إلا أن هذه المخاوف تراجعت تدريجيًا مع زيادة الوعي.
وقال غو: "خلال كل هذه السنوات لم نفقد أي طفل في المدرسة"، مؤكدًا أن الاختلاف الوحيد بين هؤلاء الأطفال وغيرهم هو حاجتهم إلى تناول دواء يومي، وأنهم يستحقون الاحترام والاندماج الكامل في المجتمع.
خريجون يصنعون مستقبلهم
من بين أوائل الطالبات كانت "كويكوي"، التي التحقت بالمدرسة وهي في السابعة من عمرها بعد معاناة مع التنمر والرفض، قبل أن تواصل تعليمها الجامعي وتعمل في إحدى شركات الذكاء الاصطناعي، ثم تعود لاحقًا للاحتفال بزفافها داخل المدرسة.
كما يبرز "هوجي"، الذي فقد والديه وثلاثة من أشقائه بسبب الإيدز، قبل أن تمنحه المدرسة فرصة جديدة للحياة، ليصبح طالبًا متفوقًا يحلم بدراسة الطب ومساعدة الآخرين.
رسالة مستمرة للأجيال المقبلة
بعد تقاعد غو عام 2023، انتقلت إدارة المدرسة إلى وانغ شيا، رئيسة الممرضات السابقة بالمستشفى، والتي كانت من أوائل المشاركين في تعليم الأطفال داخل الفصل الأول، كما انضمت ابنة غو إلى فريق العمل، استمرارًا للرسالة الإنسانية.
وبحلول عام 2025، كانت المدرسة ترعى 46 طالبًا داخلها، إلى جانب دعم 16 آخرين في استكمال تعليمهم، بينما استفاد من خدماتها منذ تأسيسها 127 طفلًا من 14 مقاطعة صينية، ويعمل اليوم العشرات من خريجيها في وظائف مستقرة، كما أسس عدد منهم أسرًا وأنجبوا أطفالًا أصحاء، في دليل على نجاح التجربة في منحهم مستقبلًا مختلفًا وحياة أكثر أملًا.