عاجل

حلقتنا اليوم ليست عن حرب، ولا عن انتخابات، ولا حتى عن رئيس أمريكي، بل عن المال؛ عن القوة التي تتحكم في السياسة دون أن تظهر، وعن الأزمات التي قد تبدو طبيعية، بينما قد تكون في الحقيقة مصنوعة بإتقان.
وهنا يلوح لنا سؤالٌ خطيرٌ: هل يمكن لأصحاب رؤوس الأموال أن يفتعلوا أزمة اقتصادية فقط ليجنوا الأرباح؟ وهل يمكن أن تُؤسس دولة كبرى مثل الولايات المتحدة، ثم تُسلم مفاتيحها المالية لأقلية مصرفية؟
سنعود إلى الوراء، إلى بدايات أمريكا، ثم ننتقل إلى أزمة عام 1907، ثم إلى الاجتماع السري الأشهر في تاريخ الاقتصاد الأمريكي، الذي انتهى بتأسيس ما يُعرف اليوم باسم: **الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي**.
في عام 1776، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية استقلالها عن بريطانيا، وكان ذلك الإعلان تتويجًا لحرب ثورية طويلة بسبب تصاعد الغضب الشعبي من القيود البريطانية المفروضة على المستعمرات. وبعد سنوات من الصراع، وتحديدًا في 3 سبتمبر 1783، وقّعت بريطانيا مع الولايات المتحدة معاهدة صلح اعترفت فيها باستقلال الدولة الجديدة، وتنازلت عن الأراضي الواقعة بين جبال الألِغاني ونهر المسيسيبي؛ وهكذا ولدت دولة جديدة، دولة فتية، لكنها تحمل أحلامًا كبيرة.
لكن هنا يبرز سؤال مهم: هل كانت أمريكا مستقلة فعلاً؟ أم أن الاستقلال السياسي كان مجرد بداية لاستعمار آخر، استعمار مالي؟
بعد المصالحة مباشرة، سارع عدد من رجال المال في أوروبا إلى إرسال مندوبيهم إلى الدولة الوليدة، ليس من أجل التجارة فقط، بل من أجل السيطرة على النظام المالي الأمريكي وتسخيره لصالحهم. وبدأ هؤلاء في تأسيس أنظمة مصرفية تعمل بفوائد عالية جدًا، مما أدى إلى توتر العلاقة بين تلك المصارف وبين الدولة الأمريكية نفسها؛ لقد كانت الفائدة المصرفية سلاحًا جديدًا، سلاحًا لا يطلق الرصاص، لكنه يخلق العبودية الاقتصادية.
مع بداية القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة قد أزالت عدة أنظمة مصرفية مركزية بسبب ما وصفته الحكومة آنذاك بـ "الفوائد عديمة الرحمة"، لكن السيطرة لم تختفِ، بل تغيرت أدواتها. ففي عالم الأعمال والمصارف، ظهرت عائلات كبرى سيطرت على المشهد المالي الأمريكي، من أبرزها: عائلة روكفلر، عائلة مورجان، وعائلة روتشايلد. وهنا يظهر السؤال: هل كانت هذه مجرد عائلات ثرية؟ أم أنها كانت حكومة غير معلنة تتحكم في المال والسياسة؟
مع بدايات القرن العشرين، حاولت هذه القوى المالية الضغط مجددًا لإقرار تشريع جديد لإنشاء مصرف مركزي، لكنهم كانوا يعلمون أن الشعب والحكومة أصبحوا أكثر وعيًا وأكثر رفضًا لفكرة "البنك المركزي" الذي يتحكم في الدولة، فماذا فعلوا؟
بحسب بعض التحليلات والروايات السياسية، بدأ التفكير في خلق حادثة، أو افتعال أزمة لتوجيه الرأي العام. وهنا نتساءل: هل يمكن أن تُفتعل أزمة مالية عمدًا حتى يقبل الشعب بما كان يرفضه؟
بحلول عام 1907، كانت الولايات المتحدة قد شهدت تضخمًا كبيرًا في عدد البنوك؛ حيث وصل عدد البنوك إلى حوالي 22 ألف بنك. لكن كثرة البنوك لم تكن دليلًا على قوة الاقتصاد، بل كانت دليلًا على هشاشته؛ فقد بدأت بنوك نيويورك تشهد سحبًا متزايدًا للسيولة، وفقد المواطنون الثقة، ولم تكن هناك آنذاك صناديق ضمان للودائع.
ثم حدث الانفجار؛ انهارت البورصة الأمريكية بصورة مفاجئة، وخسرت ما يقرب من 50% من أعلى قيمة وصلت إليها في العام السابق. وهنا سؤال لا بد أن يُطرح: هل كانت الأزمة طبيعية، أم أنها كانت الفرصة التي ينتظرها رجال المال؟
في قلب هذه الأزمة، ظهر اسم واحد بقوة: هو جون بيربونت مورجان (J.P. Morgan)، واحد من أبرز رجال المال في ذلك الزمن. وتشير بعض الروايات إلى أن مورجان بدأ في نشر شائعات تقول إن هناك مصرفًا مركزيًا في نيويورك عاجز عن سداد ديونه، وأنه أعلن الإفلاس. قد تبدو مجرد شائعة، لكن في عالم المال، الشائعة قد تكون أقوى من الحقيقة، وكان مورجان يعلم أن تلك الشائعة كفيلة بإشعال حالة من الهستيريا الجماعية. فهل يمكن لشائعة واحدة أن تسقط اقتصادًا كاملاً؟ نعم، إذا كانت الشائعة صادرة من رجل بحجم مورجان، وتحت ظرف اقتصادي هش.
وهكذا، انتشر الذعر وعمّ أرجاء البلاد؛ بدأ المواطنون يسحبون أموالهم، فاضطرت البنوك إلى طلب استحقاق القروض. وهنا بدأ الانهيار الحقيقي؛ حيث اضطر المقترضون لبيع ممتلكاتهم، فبدأت دوامة الإفلاس، والاستحواذ، والانهيارات المتتابعة. وفي ظل الفوضى، كانت هناك فئة واحدة تربح: أصحاب رؤوس الأموال.
وسط انهيار البنوك والشركات، بدأت مرحلة جديدة، مرحلة الاستحواذ على الأصول بأبخس الأثمان. استغل مورجان وعدد من كبار رجال المال هذه الأزمة، واشتروا أصولاً ضخمة لبنوك وشركات مفلسة بثمن لا يساوي قيمتها الحقيقية. ثم، فجأة، بدأ الاقتصاد يتعافى، وانتهت الأزمة فعليًا في نوفمبر حين استعاد الاقتصاد شيئًا من عافيته.
لكن النتيجة لم تكن مجرد تعافٍ اقتصادي، بل كانت بداية لمرحلة أخطر: مرحلة إنشاء نظام مصرفي جديد يضمن ألا تتكرر الأزمة، أو بالأحرى، يضمن أن من صنع الأزمة سيصبح هو من يتحكم في حلها مستقبلاً.
وفي عام 1913، وتحديدًا في 22 ديسمبر، تم إنشاء ما يُعرف اليوم باسم: نظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وهنا السؤال: هل تأسس الاحتياطي الفيدرالي لحماية الشعب الأمريكي؟ أم لحماية المصرفيين من غضب الشعب؟
بعد سنوات، ظهرت كتابات سياسية تعيد قراءة أزمة 1907 بطريقة مختلفة؛ فقد كتب السياسي الأمريكي فردريك ألين في مجلة "لايف" قائلاً: *"لقد استغل مورجان مصلحته للتعجيل من رعب 1907م، فقد افتعلها بدهاء ودفع بها إلى ما انتهت إليه؛ إنه الاحتيال"*. عبارة واحدة، لكنها تفتح بابًا خطيرًا: إذا كانت الأزمة احتيالاً، فكم أزمة أخرى في التاريخ كانت احتيالاً؟
بعد أزمة الذعر، قادت الأحداث إلى تحقيق رسمي داخل الكونجرس الأمريكي، وترأس هذا التحقيق السيناتور نيلسن ألدريتش (Nelson Aldrich). وهنا المفاجأة، فقد كان لهذا الرجل روابط عميقة مع المجموعة المصرفية الاحتكارية، بل وأصبح لاحقًا جزءًا من عائلة روكفلر من خلال زواجه من إحدى فتياتها؛ أي أن الشخص الذي يقود التحقيق كان مرتبطًا بمن يُشتبه أنهم وراء الأزمة! إذن، هل كان التحقيق بحثًا عن الحقيقة، أم كان تمهيدًا لتمرير خطة جاهزة؟
لجنة التحقيق أوصت بإنشاء مصرف مركزي على أن يكون شكليًا تابعًا للدولة لتجنب تكرار ما حدث في 1907، لكن في الحقيقة، كان ذلك القرار الشرارة التي احتاجها المصرفيون الدوليون لبدء خطتهم.
ففي ليلة 22 نوفمبر عام 1910، وقف قطار خاص في محطة "هويكن" بولاية نيوجيرسي، صعد إليه السيناتور نيلسن ألدريتش ومعه أحد كبار مسؤولي وزارة المالية الأمريكية، ثم بدأ وصول رجال آخرين، رجال لا يمثلون أنفسهم، بل يمثلون الاقتصاد الأمريكي كله، من بينهم: فرانك فاندربيلت، هـ. ب. دافيدسون (ممثل مجموعة مورجان)، بول واربورغ (الذي كان يوصف بأنه من أغنى رجال العالم)، وبنيامين سترونغ (أحد أقطاب وول ستريت). إذن، لماذا يجتمع هؤلاء سرًا؟ ولماذا يركبون قطارًا خاصًا بعيدًا عن الإعلام؟
القطار حملهم إلى جزيرة "جيكل" أو كما ورد في بعض الروايات "منغولا" بولاية جورجيا، حيث يمتلك مورجان قصرًا بعيدًا عن أعين الناس. وهناك، انعقد الاجتماع الأخطر في تاريخ المال الأمريكي؛ اجتماع ضم المال، والصناعة، والمواصلات، والسكك الحديدية، والقوة التي تتحكم في الدولة.
ورغم السرية، فإن النتائج كانت واضحة؛ ففي هذا الاجتماع تم إعداد وثيقة مصرفية مركزية حملت لاحقًا اسم: (Federal Reserve Act) قانون الاحتياطي الفيدرالي. والأخطر أن هذا التشريع لم يُكتب بواسطة مشرعين منتخبين، بل كُتب بواسطة مصرفيين؛ فكيف يمكن لقانون يحدد مصير اقتصاد دولة كاملة أن يُكتب في جزيرة سرية؟
بعد الاجتماع، تقدم السيناتور ألدريتش إلى الكونجرس بمشروع قانون، وتم تقديمه لاحقًا باسم: قانون الاحتياطي الفيدرالي لعام 1913. لكن تمرير القانون لم يكن سهلاً، لذلك تم استخدام حيلة سياسية ذكية؛ حيث تم اختيار توقيت حساس قبل عيد الميلاد بيومين، وكان معظم أعضاء الكونجرس قد غادروا إلى منازلهم للاحتفال مع أسرهم، وبوجود عدد قليل فقط من الأعضاء تم تمرير القانون والتصويت عليه بالموافقة. وتشير بعض الروايات إلى أن من حضروا الجلسة كانوا ضمن من تم التأثير عليهم أو رشوتهم. وهنا السؤال: هل يمكن أن يمر قانون يغير مصير أمريكا في جلسة شبه فارغة؟
بعد تمرير القانون، وقّعه الرئيس الأمريكي آنذاك وودرو ويلسون، والذي تشير بعض الروايات إلى أنه وصل للسلطة بدعم من المصرفيين مقابل تعهد مسبق بتوقيع هذا القانون؛ وهكذا أصبح الاحتياطي الفيدرالي واقعًا.
بعد مرور سنوات، كتب الرئيس وودرو ويلسون كلمات صادمة وكأنه يعتذر للتاريخ، حيث قال: *"أمتنا الصناعية العظيمة تحت سيطرة نظام الديون، نمو أمتنا وأنشطتها تتركز في يد بضعة رجال، وبسبب أطماعهم الشخصية فإنهم يخربون حرية اقتصادية أصيلة"*. ثم قال عبارة أخطر: *"لقد أصبحنا أحد أسوأ الحكام، أكثر حكومة تحكماً وسيطرة في العالم الحر؛ لسنا حكومة رأي حر بعد الآن، بل حكومة أفكار وأطماع مجموعات صغيرة من الرجال المسيطرين"*.
وهنا يبرز سؤال: إذا كان رئيس أمريكا نفسه يعترف أن بلاده أصبحت تحت سيطرة قلة، فكيف يمكن للشعب أن يكون حراً؟
لم يكن ويلسون وحده من تحدث، بل إن عضو الكونجرس الأمريكي لويس ماكفادن (Louis McFadden) قال بعد تمرير القانون: *"هنا يتم بناء نظام مصرفي عالمي، دولة كبرى تحت سيطرة المصرفيين الدوليين، يعملون على استعباد العالم لمصالحهم الخاصة، لقد اغتصبوا المصرف الاحتياطي الفيدرالي الحكومي"*. إذن، هل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة وطنية أمريكية، أم مشروع مصرفي عالمي باسم أمريكا؟
في النهاية، قد يختلف الناس حول التفاصيل، وقد تختلف الروايات حول النوايا، لكن الحقيقة الثابتة أن المال كان ولا يزال لاعبًا أساسيًا في السياسة الأمريكية. أزمة 1907 لم تكن مجرد انهيار اقتصادي، بل كانت نقطة تحول تاريخية، ومن رحمها خرج الاحتياطي الفيدرالي؛ مؤسسة أصبحت تتحكم في العملة، والفائدة، والتضخم، والديون، بل وتؤثر على قرارات الحرب والسلم.
فهل يمكن لدولة أن تكون ديمقراطية حقًا، بينما قرارها المالي في يد أقلية مصرفية؟ وهل الأزمات الاقتصادية مجرد حوادث، أم أنها في بعض الأحيان أدوات لصناعة السيطرة؟ إذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا، فهو أن الأزمات لا تخلق الفوضى فقط، بل تخلق أيضًا من يستفيد منها.
وفي الحلقة القادمة: التحضير لأزمة 1929، والثلاثاء الأسود، وإلغاء الغطاء الذهبي للدولار.

تم نسخ الرابط