في صباح قائظ من صيف عام 711 ميلادية، كان آلاف الجنود المسلمين يعبرون مضيق جبل طارق بقيادة طارق بن زياد، مفتتحين فصلاً جديداً للامتداد الجغرافي والثقافي، في وقت كانت فيه القارة الأوروبية الغارقة في صراعاتها تعيش إحدى أكثر مراحلها اضطراباً وقلقاً.
وفي الجهة المقابلة من العالم، كانت إمبراطورية الصين تواصل تمددها الحضاري وبناء منجزاتها المدنية، بالتوازي مع ازدهار مدارس الفلسفة الهندية التي انهمكت في تشريح أعقد أسئلة الوجود، والمعرفة، وماهية الروح الإنسانية.
كان العالم آنذاك -كما هو دائماً- فضاءً رحباً مزدحماً بالأفكار، متسعاً للأديان ، نابضاً باللغات المتباينة، ومسكوناً بنسبيّة الحقيقة التي تتقاسمها شعوب الأرض وفقاً لتنوع مداركها وسياقاتها.
لكن، على هامش هذا التنوع الكوني ، نبتت جماعة صغيرة رأت المشهد من زاوية ضيقة ومعتمة؛ فلم تبصر في الوجود اجتهادات بشرية متعددة، ولم تعترف بحقائق نسبية، ولم تقبل باحتمالات إنسانية واسعة تحتمل الخطأ والصواب.
كانت تلك الشرذمة ترى بعين واحدة شظية واحدة من الواقع وتسميها حقيقةً مطلقة ، فآمنت بأنها وحدها حارسة الدين وظله على الأرض، وأن كل من خالفها -ولو بقيد أنملة- قد انحرف عن الصراط المستقيم وحقّت عليه اللعنة.
وببساطة طفولية مدمرة، اختزلت هذه الجماعة المشهد الإنساني الممتد إلى معسكرين حادّين لا ثالث لهما:
- نحن: النقاء المطلق، والحق المحض، والاختيار الإلهي
- هم: الضلال التام، والباطل المطلق، والخصوم المستباحون
هؤلاء كانوا "الخوارج" .
ولم يكن الخطر الحقيقي الكامن في هذه الجماعة متمثلاً في بريق سيوفها المسلطة، ولا في عدد معاركها الخاطفة، بل في "البنية المعرفية السامة" للفكرة التي حملتها وصاغتها بدم الضحايا؛ فكرة "وهم امتلاك الحقيقة المطلقة" واحتكار الصواب الأخلاقي والديني.
لقد أثبتت حركة التاريخ لاحقاً أن "العقل المتطرف" ليس مجرد ظاهرة تراثية ولدت وماتت في صحراء المشرق، بل هو جينات فكرية عابرة للأزمنة والثقافات، ستظهر لاحقاً في التاريخ الإنساني بأسماء مختلفة، وأزياء متباينة، ولغات متعددة، لكنها ستحتفظ بالجوهر الإقصائي نفسه:
- ستطل برأسها في محاكم التفتيش الأوروبية التي فتشت في ضمائر البشر.
- وستتجسد في المقصلة اليعقوبية التي أهدرت الدماء باسم الفضيلة الثورية.
- وستتموضع في النازية والفاشية التي قسمت البشر بناءً على عرقية الدم ونقاء السلالة.
- وستتكرس في الشموليات الشيوعية الحديثة التي أممت الوعي وصادرت حق الاختلاف.
- وستظهر في الصهيونية الاستعمارية التي مارست التطهير العرقي والتهجير القسري تحت لافتة الوعود الإلهية والحق التاريخي.
وصولاً إلى التنظيمات الإرهابية المعاصرة التي استلهمت جذورها العقائدية والسلوكية من أدبيات جماعة الإخوان المتأسلمين، وتمارس التفجير والتكفير تحت لافتة الحق والتمكين
كل هذه المآسي التاريخية، ورغم تباين لغاتها ومنطلقاتها، لم تكن سوى تجليات مكررة ومستنسخة لنفس الخطيئة المعرفية الأولى: وهم امتلاك الحقيقة المطلقة التي ترى التنوع عداءً، والاختلاف خروجاً عن الملة أو عن الثورة.
تشريح العقل المتطرف
" إبستمولوجيا " الزيف وملاذات اليقين القاتل
على امتداد التاريخ الإنساني، انشغل الفلاسفة وعلماء النفس والمؤرخون بسؤال بدا بسيطاً في ظاهره، لكنه استبطن من الإلحاح والخطورة ما يجعله مفتاحاً لفهم مآسي البشرية: كيف يتحول الكائن البشري من رادارات البحث القلقة عن الحقيقة، إلى كائن مستكين يتوهم أنه امتلكها في قبضته كاملة ومطلقة؟ لم يكن هذا السؤال يوماً ترفاً فكرياً عابراً في أروقة الأكاديميات، فخلف دهاليزه تختبئ جثث الحروب الدينية، ورماد المجازر العرقية، ومقاصل محاكم التفتيش، وزنازين الأنظمة الشمولية والمنظمات الإرهابية، وملايين الضحايا الذين سُفكت دماؤهم لمجرد أن فرداً، أو طائفة، أو دولة، نصبت نفسها وريثاً شرعياً وحيداً للحقيقة والفضيلة.
وفي محاولة لتفكيك هذه المعضلة المعرفية (الإبستمولوجية)، لم ينظر الفيلسوف البريطاني كارل بوبر (Karl Popper 1902 -1994 ) إلى المتطرف باعتباره مجرد شخص يحمل حزمة من الأفكار الحادة أو المتشددة، بل باعتباره إنساناً مارس خطيئة "الإغلاق المعرفي الكامل"؛ فرفض الشك، وأعلن نهاية الأسئلة وبداية الطمأنينة الوهمية لليقين المطلق.
إن "المجتمع الناضج" في أطروحة بوبر الفلسفية لا يتأسس على ادعاء امتلاك الحقيقة، بل على الشجاعة الأخلاقية والسياسية للاعتراف بـ "قابلية الخطأ والتكذيب" (Falsifiability) ؛ أما العقل المتطرف فهو ذلك الكيان المتكلس الذي يتوهم أنه بلغ المحطة النهائية لقطار المعرفة البشرية، فلم يعد بحاجة إلى مراجعة نقدية أو تفاعل حواري، لأن الحقيقة في معتقده قد اكتملت صياغتها، ولم يبقَ له سوى فرضها قسراً على الواقع.
ومن زاوية فلسفية وسياسية مغايرة، عمّقت الفيلسوفة والمنظّرة السياسية الألمانية حنا آرنت
(Hannah Arendt 1906 - 1975 ) هذا التشريح؛ فرأت أن جوهر التطرف والشمولية لا يكمن في ممارسة العنف المادي فحسب، بل في قدرة الأيديولوجيا المغلقة على "ابتلاع الواقع الصلب وإعادة صياغته" داخل قوالبها الذهنية الافتراضية.
فعندما تُقدَّس الفكرة على حساب كرامة الإنسان، وتُبجَّل الأيدولوجيا فوق التجربة الحية، وتُقدَّم النظرية الجامدة على حيوية الحياة، يقع العقل في فخ الانفصال التدريجي عن العالم الحقيقي، ليقبع داخل بناء عقلي مصمت ومحصن، يرفض استقبال أي معطيات أو حقائق موضوعية جديدة قد تهدد تماسك السردية المقدسة للعقل المتطرف .
بيد أن هذا الاغلاق المعرفي والانفصال عن الواقع لا يحدثان في فراغ نفسي، وهنا ينفذ عالم النفس الاجتماعي والفيلسوف الأمريكي إريك فروم (Erich Fromm) (1900-1980) إلى المنطقة الأكثر عتمة وعمقاً داخل السيكولوجية البشرية.
لم يرَ فروم في المتطرف وحشاً سادياً استثنائياً أو مسخاً سيكولوجياً غريباً عن الطبيعة الإنسانية فقط ، بل شخّصه كـ "إنسان خائف" ، إنه الكائن الذي أثقلت كاهله أعباء الحرية الفكرية ، وأرهقته حيرة الخيارات المفتوحة، وأفزعته المسؤولية الأخلاقية للتفكير المستقل؛ فهرب ذعراً من قلق التساؤل المفتوح إلى دفء الإجابات الجاهزة المعلبة، ومن مشقة التفرد إلى طمأنينة "الذوبان القطيعي" داخل الجماعة والتنظيم.
وهكذا، يتكشف اليقين المتطرف في التحليل السيكولوجي باعتباره "ملاذاً نفسياً دفاعياً" يحتمي به الخائفون، قبل أن يتم تسييسه وعولمته ليتحول إلى مشروع دمار سياسي، أو ديني، أو أيديولوجي، يستهدف إبادة الآخر المختلف.
نظرية الخلاص وسيكولوجيا التلاشي
تشريح الغيبوبة الأيديولوجية
وفي ذات السياق المعرفي، حذر الفيلسوف والمؤرخ البريطاني أشعيا برلين (Isaiah Berlin) (1909-1997) من معضلة فلسفية وسياسية بالغة العمق؛ إذ رأى أن الجرائم الكبرى في التاريخ الإنساني لم تكن نتاج الأفكار التي تدعو إلى الشر والخراب صراحة، بل ولدت من رحم السرديات اليوتوبية التي تزعم امتلاك "الحل النهائي" (The Ultimate Solution) والشامل لكل مشكلات ومآسي البشرية.
فمن اللحظة الحرجة التي يقتنع فيها إنسان، أو جماعة ، أو حزب، أو حركة عقائدية، أو دولة فاشية شمولية، بأنها حازت الوصفة السحرية الكاملة لإنقاذ العالم وهندسة المجتمع الفاضل، يتحول الآخر المختلف تلقائياً في نظرها من شريك في الإنسانية إلى "عقبة بيولوجية أو فكرية" تجب إزالتها، ويغدو المعارض خطأً بنيوياً يجب تصحيحه، ويصبح الناقد صوتاً نشازاً ينبغي إسكاته وتطهير الفضاء العام منه تلبية لنداء الخلاص الزائف.
أما المفكر والفيلسوف الاجتماعي الأمريكي إريك هوفر (Eric Hoffer) (1902-1983)، في كتابه «المؤمن الصادق»، فقد نفذ إلى الآلية النفسية التي يتم بها تشكيل الكادر الحركي داخل هذه التنظيمات ؛ حيث رأى أن المتطرف هو الفرد المأزوم الذي يمارس عملية "الانتحار الفردي" ليذيب هويته وشخصيته بالكامل داخل بوتقة فكرة أو تنظيم أكبر منه.
ومن خلال هذا التلاشي الطوعي، يفقد الإنسان تدريجياً استقلاله العقلي وقدرته على النقد المنطقي والتفكير الحر، ليتحول إلى أداة صماء مستعدة للتضحية بنفسها وبإبادة الآخرين في سبيل القضية المطلقة التي استبدت بوعيه.
فكلما تضاءلت قيمة الذات الإنسانية في وعي الكادر الحركي - داخل جماعة الإخوان الإرهابية على سبيل المثال - تلاشت قيمتها الحيوية، تضخمت في المقابل قيمة العقيدة وهيكل التنظيم، حتى يتحول الكيان الاعتباري والأيديولوجي إلى "وثن جديد" يُعبد من دون الله، وتُقدم على عتباته القرابين البشرية بلا أدنى وخز من ضمير.
ولم يكن الفيلسوف الفرنسي فولتير (Voltaire 1694-1778) بعيداً عن رصد هذا الانفصام الأخلاقي، حين حذر مبكراً من خطر "سدنة اليقين" أولئك الذين يعتقدون أنهم منحوا تفويضاً مطلقاً لفرض قناعاتهم على الآخرين بقوة الإكراه تحت لافتات براقة مثل الفضيلة، أو الخلاص، أو الإصلاح.
فالتعصب في المنظور الفولتيري لم يكن مجرد حالة من الجهل المعرفي يمكن علاجها بالمعلومة، بل هو "مرض سيكولوجي وعطب أخلاقي مزمن" يجعل صاحبه عاجزاً عضوياً عن التعايش مع فكرة وجود رأي مغاير أو إنسان مختلف يتقاسم معه الفضاء الإنساني.
وعلى الرغم من تباين هؤلاء المفكرين الستة (بوبر، آرنت، فروم، برلين، هوفر، فولتير) في أزمنتهم، وثقافاتهم، ومناهجهم الفكرية، فإنهم التقوا جميعاً عند حقيقة معرفية واحدة: أن العقل المتطرف لا يُعرف بنوع المعتقد الذي يحمله، بل بآلية تعامله معه؛ فهو لا يرى الأفكار كوجهات نظر تحتمل الصواب والخطأ، بل كقوانين كونية نهائية تمنح صاحبه الحق في وصم المخالفين وتصفيتهم !!
إنه ليس حكراً على يمين أو يسار، وليس وقفاً على دين بعينه أو أيديولوجيا بذاتها، بل هو "حالة ذهنية مغلقة" ترى الوجود من ثقب إبرة ، نافذة واحدة، ثم تتوهم بواقع غيبوبتها المعرفية أن ما تراه من خلال هذا الثقب هو العالم كله بكل أبعاده.
ومن هذه النقطة الحرجة تحديداً، تبدأ القصة الحقيقية للتطرف وصناعة الإرهاب:
- فالمتطرف لا يولد حاملاً سيفاً، ولا بندقية، ولا حزاماً ناسفاً.
- إنه يولد في اللحظة التي يموت فيها الشك وتختفي الأسئلة المفتوحة.
- ويكبر ويتمدد كلما ضاقت مساحة الخيال الإنساني وتكلست أوعية الحوار.
- ويشتد عوده كلما تضخم في عقله وهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
وحين يكتمل نمو هذا المسخ المعرفي، لا يعود يرى في الاختلاف والتموج الحضاري ثراءً إنسانياً أو سنة كونيّة، بل يراه "خطراً وجودياً" داهماً يهدد تماسكه النفسي، وينبغي استئصاله قسراً.
وعند هذه اللحظة الفاصلة، لا يصبح العنف واحتمالات الدمار خياراً سياسياً وارداً فحسب، بل يتحول في وعي المتطرف إلى "واجب أخلاقي، ورسالة مقدسة، وفريضة إلهية" يعتقد واهماً أنه يؤديها دفاعاً عن الحق المطلق، بينما يكون في واقع الأمر قد تحول إلى الضحية الأكبر والأخطر للوهم الشمولي الذي استولى على عقله وأعدم إنسانيته.
جينالوجيا الوهم: من غيبوبة الوعي إلى فاشية الحركة
لم يكن الخوارج خطيئة التاريخ الأخيرة في ادعاء حيازة الحق، كما لم يكونوا البدء التاريخي الذي دشن هذا المنزلق الموغل في القدم؛ بل كانوا بمثابة صدمة إنذار مبكر، كشفت للوعي البشري واحدة من أعقد العلل السيكولوجية والمعرفية التي تصيب الذات الإنسانية حين تعتل؛ علّة أن ينحرف شغف البحث عن الحقيقة ليتحول إلى غطرسة الإعلان عن امتلاكها، وأن يرتد الإيمان الخلاق بالفكرة إلى صنمية ووثنية تعبد الهيكل وتلغي العقل، وأن يُمسخ التباين الكوني الطبيعي بين البشر ليصبح جريمة شائنة تستوجب التطهير، أو النفي، أو الإبادة الجسدية.
لقد برهنت لنا صيرورة القرون الطويلة أن جيوش العقل المتطرف لا تولد في ميادين الحروب، بل تتخلق نواتها الأولى داخل شرنقة معتمة في أعمق طبقات الوعي؛ تبدأ تحديداً من تلك اللحظة الحرجة التي يكف فيها الكائن البشري عن ممارسة التساؤل النقدي، ويستسلم للوهم الساذج بأنه عثر على الإجابة النهائية الشاملة لكل معضلات الوجود.
من تلك العتمة الداخلية تحديداً، ينطلق القطار الحركي في رحلته الطويلة التي لا تتوقف محطاتها إلا عند سكين المقصلة، أو رماد المحرقة، أو أسلاك معسكرات الاعتقال الشمولية، أو شظايا الحزام الناسف ، أو التسفل والإرهاب المعنوي في الحد الأدنى .
وتكمن المفارقة المأساوية الأكثر إيلاماً في أن أساطين هذه المشاريع الكارثية وسدنتها لم يصنفوا أنفسهم يوماً كأعداء للحياة أو مجرمين ضد الإنسانية؛ فسيافو محاكم التفتيش تحركوا وهم يظنون أنهم ينقذون الأرواح من الهرطقة ويحمون نقاء الإيمان، واليعاقبة أعملوا المقاصل وهم يعتقدون أنهم يؤسسون دولة الفضيلة الثورية، والنازيون شيدوا الأفران وهم يتوهمون أنهم يهندسون طهارة العرق ويبنون المجتمع المثالي، وصولاً إلى تنظيمات الإرهاب المعاصر التي تذبح البشر تحت لافتات الدفاع عن الحق والتمكين الإلهي.
غير أن التاريخ -بوصفه المحكمة العظمى للبشرية- كان يسجل في كل مرة الدرس الصارم ذاته: أن الجحيم الإنساني يُصنع دائماً بأيدي أولئك الذين اعتقدوا أنهم لم يعودوا بحاجة إلى الشك، وأن الحقيقة المطلقة قد آلت إليهم كإرث خاص وحصري.