تأتي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة كل عام لتجدد في النفوس معاني التضحية والبذل والعطاء، وتؤكد أن الإسلام لم يكن يومًا دعوة إلى الانعزال عن الواقع، وإنما كان مشروعًا حضاريًا متكاملاً لبناء الإنسان وإقامة الدولة وصناعة الأمة.
ومن خلال هذا الحدث تتجلى أسمى معاني حب الوطن وأهمية المحافظة على مقدراته والعمل على بنائه وتنميته؛ فلم تكن الهجرة مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، بل كانت نقطة تحول في مسيرة الدعوة الإسلامية وانتقال الأمة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة البناء.
وعندما نتأمل موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يودع مكة مهاجرًا، وهي وطنه الذي ولد ونشأ فيه، معبرًا عن مكانته في نفسه بكلمات مؤثرة تفيض حبًا ووفاءً؛ ففيما يرويه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «والله إنك لأحب البلاد إلى الله وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت». وفي هذا الموقف النبوي الخالد تتجلى أسمى صور الانتماء للوطن، بما يؤكد أن حب الأوطان من مكارم الأخلاق وطبائع النفوس السوية.
وعندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة لم يكتفِ بإيجاد مأوى للمهاجرين، بل شرع في بناء وطن جديد يقوم على أسس راسخة من الإيمان والعلم والعمل والعدل؛ فكان أول عمل قام به بناء المسجد ليكون منارة للعبادة والتربية والتوجيه، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ليقيم مجتمعًا متماسكًا تسوده الأخوة والتكافل.
ثم وقع وثيقة مع اليهود من سكان المدينة هي من أعظم الوثائق الدستورية في تاريخ البشرية، والتي أرست قواعد الدولة ونظمت العلاقات بين مكونات المجتمع المختلفة، فكانت نموذجًا مبكرًا لدولة القانون والمواطنة والتعايش، إلى الحد الذي نص فيه عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب على مساعدة الدولة الإسلامية لهم عند الحاجة في بناء دور عباداتهم وترميمها، فجاء في هذه الوثيقة: «ولهم إن احتاجوا إلى مرمة بيعهم وصوامعهم أو شيء من مصالح أمورهم ودينهم إلى رفد، أي دعم وإعانة، من المسلمين وتقوية لهم على مرمتها أن يرفدوا على ذلك ويعاونوا، ولا يكون ذلك دينًا عليهم بل تقوية لهم على مصلحة دينهم ووفاءً بعهد رسول الله لهم ومنةً لله ورسوله عليهم».
وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأوطان لا تُبنى بالكلمات وإنما بسواعد المخلصين، واحترام النظام، وإتقان العمل، وترسيخ قيم العدل والتعاون والتكافل. فإقامة الإسلام كدين لا يتأتى إلا في واقع وطن ومكان وجغرافيا، وهذا الواقع والمكان والجغرافيا والوطن لن يكون إسلاميًا إلا إذا أصبح الانتماء الوطني فيه بعدًا من أبعاد الانتماء الإسلامي العام؛ فعبقرية المكان في المحيط الإسلامي هي واحدة من تجليات الإسلام الذي لا يكتمل إقامته بغير الوطن والمكان والجغرافيا.
ولو تأملنا ما استقر وعُرف في الإسلام بالكليات الخمس، وهي أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، وهي حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال؛ فهذه الكليات تمثل أساسًا متينًا لبناء الأوطان وحماية مقدراتها. ومما لا شك فيه أن هناك تلازمًا وثيقًا بين هذه المقاصد وبناء الوطن، فلا يمكن تصور إقامتها وتطبيقها في واقع الناس إلا بوجود وطن آمن ومستقر.
فحفظ الدين يحمي منظومة القيم والأخلاق التي تقوم عليها المجتمعات، وحفظ النفس يرسخ الأمن والاستقرار ويحفظ حياة المواطن، وحفظ العقل يدعو إلى نشر العلم ومحاربة الجهل والتطرف والشائعات، وحفظ النسل يضمن سلامة الأسرة واستقرار المجتمع، أما حفظ المال فيقتضي صيانة الممتلكات العامة والخاصة وحماية ثروات الوطن وموارده من العبث والإهدار، وعمرانه لإقامة الدين أي ضرورة أن يكون الانتماء الإيجابي للوطن من درجات سلم انتماء المسلم إلى الإسلام.
وفي زمن تتعاظم فيه التحديات، تبقى الهجرة النبوية منارة هادية تذكرنا بأن الأوطان تُبنى بالإرادة الصادقة والعقول الواعية والقلوب المخلصة، وأن الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو ترجمة قيم الهجرة إلى واقع عملي يسهم في نهضة الأمة وتقدمها واستقرارها.