عاجل

لم تعد أزمة العدادات الكودية مجرد قضية فنية تتعلق بتنظيم استهلاك الكهرباء أو تقنين أوضاع بعض الوحدات السكنية بل تحولت إلى قضية اجتماعية واقتصادية تمس ملايين الأسر المصرية خاصة أبناء الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل الذين يجدون أنفسهم يومًا بعد يوم أمام أعباء جديدة تتجاوز قدرتهم على الاحتمال.


الكهرباء ليست خدمة ترفيهية يمكن الاستغناء عنها بل هي عصب الحياة الحديثة. فلا تعليم دون كهرباء ولا حفظ للطعام أو الدواء دون كهرباء، ولا حياة كريمة دون خدمة مستقرة وميسرة. ومن هنا فإن التعامل مع ملف العدادات الكودية يجب أن ينطلق من كونه قضية اجتماعية وإنسانية قبل أن يكون ملفًا ماليًا أو إدارياً.
تشير بيانات وزارة الكهرباء إلى أنه تم تركيب نحو مليوني عداد كودي خلال الفترة من يوليو 2024 حتى أكتوبر 2025، ضمن منظومة تضم ما يقرب من 40 مليون عداد مسبق الدفع على مستوى الجمهورية كما حققت الدولة مليارات الجنيهات من تحصيلات مخالفات وسرقات التيار الكهربائي.
ورغم أهمية مواجهة سرقات الكهرباء وتحقيق الانضباط فإن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط هو: لماذا يتحمل الملتزم دائمًا فاتورة الإصلاح؟ ولماذا تتحول كل عملية تطوير أو تنظيم إلى أعباء مالية إضافية على الأسرة المصرية؟
الواقع الاقتصادي الحالي لا يمكن تجاهله. فمعدلات التضخم رغم تراجعها مقارنة بذروة الأزمة الاقتصادية ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين. فقد سجل التضخم السنوي في مصر خلال عام 2025 مستويات تراوحت بين 12% و15% تقريبًا مع استمرار ارتفاع تكاليف السكن والخدمات والمرافق الأساسية. 

كما سجلت مجموعة الكهرباء والغاز ومواد الوقود زيادات ملحوظة ضمن مكونات الإنفاق الأسري. 
المشكلة الأكبر أن الضغوط لم تعد تقتصر على الفئات الفقيرة فقط بل امتدت بقوة إلى الطبقة المتوسطة التي كانت تمثل تاريخيًا صمام الأمان والاستقرار في المجتمع المصري. هذه الطبقة التي تضم الموظف والطبيب والمعلم والمهندس وصاحب المعاش المتوسط وصاحب المشروع الصغير أصبحت تواجه ارتفاعًا متزامنًا في تكاليف الغذاء والتعليم والعلاج والمواصلات والإيجارات وفواتير الخدمات.
عندما ترتفع تكاليف النقل بأكثر من 30% خلال فترات سابقة وترتفع تكاليف الصحة والإيجارات والتعليم بنسب ملحوظة ثم تضاف إليها رسوم أو التزامات جديدة مرتبطة بالكهرباء فإن النتيجة الطبيعية هي تآكل الدخل الحقيقي للأسرة المصرية وتراجع قدرتها الشرائية عامًا بعد عام. 
الخطورة الحقيقية ليست فقط في قيمة الرسوم أو تكلفة العداد بل في تراكم الأعباء. فالمواطن لا يتعامل مع فاتورة كهرباء فقط وإنما مع منظومة كاملة من الالتزامات الشهرية التي تزداد باستمرار بينما لا تنمو الدخول بنفس الوتيرة. وهنا تبدأ الطبقة المتوسطة في الانزلاق تدريجيًا نحو دائرة الاحتياج وهو ما يمثل تهديدًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى الطويل.
إن نجاح أي سياسة عامة لا يقاس بحجم الإيرادات المحصلة فقط وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الدولة وحقوق المواطنين. وإذا كانت الدولة حريصة على توسيع مظلة الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا فإن الوقت قد حان أيضًا للانتباه إلى الطبقة المتوسطة التي تتحمل الجزء الأكبر من أعباء الإصلاح الاقتصادي دون أن تحصل على دعم مباشر.

المطلوب ليس إيقاف التطوير أو تعطيل جهود تنظيم قطاع الكهرباء، بل وضع آليات أكثر عدالة تراعي ظروف المواطنين وتسمح بتقسيط التكاليف وتمنح إعفاءات أو تسهيلات للفئات غير القادرة وتربط أي أعباء جديدة بمستوى الدخل الحقيقي للأسرة.
ففي النهاية، لا يمكن بناء اقتصاد قوي على حساب المواطن البسيط، ولا يمكن الحديث عن حياة كريمة بينما تتحول الخدمات الأساسية إلى مصدر قلق دائم للأسر المصرية. إن حماية الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل لم تعد خيارًا بل أصبحت ضرورة وطنية للحفاظ على التماسك الاجتماعي والاستقرار الذي تحتاجه الدولة في هذه المرحلة الدقيقة.

تم نسخ الرابط