خفض الهدر وتعزيز العدالة.. أبرز مكاسب التحول إلى الدعم النقدي|خاص
قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، إن التحول من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي أصبح خطوة ضرورية في إطار تطوير منظومة الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة الدعم في مصر، موضحًا أن الدولة تتجه تدريجيًا نحو تحرير أسعار السلع التموينية بشكل كامل، مع الإبقاء على الدعم في صورة نقدية موجهة للفئات الأكثر احتياجًا، بما يحقق كفاءة أكبر في توجيه الموارد ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.
مفهوم تحرير أسعار السلع
وأوضح عامر، في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم"، أن مفهوم تحرير أسعار السلع لا يعني ترك الأسواق دون ضوابط أو رفع الأسعار بصورة عشوائية، وإنما يعني أن يتم تسعير السلع وفق آليات السوق، مع منح المواطنين المستحقين للدعم مبالغ نقدية تساعدهم على شراء احتياجاتهم الأساسية، بما يعوض الفارق السعري ويحافظ على قدرتهم الشرائية.
وأضاف أن غالبية السلع التموينية أصبحت بالفعل قريبة من أسعار السوق الحرة، مشيرًا إلى أن الفروق السعرية بين السلع داخل المنافذ التموينية والأسواق التجارية ليست كبيرة كما كانت في السابق، موضحًا أن بعض السلع مثل الزيت لا يزيد الفارق السعري فيها بين التموين والسوق على نحو 5 إلى 10 جنيهات فقط، وهو ما يجعل الدعم النقدي وسيلة أكثر فاعلية من الدعم العيني في المرحلة الحالية.
وأكد أن الهدف الرئيسي من التحول إلى الدعم النقدي هو منح المواطن حرية أكبر في اختيار احتياجاته وفق أولوياته، بدلاً من الاقتصار على قائمة محددة من السلع، فضلًا عن تقليل التكاليف الإدارية واللوجستية المرتبطة بشراء السلع وتخزينها ونقلها وتوزيعها من خلال منظومة التموين التقليدية.
وأشار إلى أن تطبيق الدعم النقدي يتيح للحكومة مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية، كما يسهل عملية مراجعة قيمة الدعم بشكل دوري وربطها بمعدلات التضخم والتغيرات التي تطرأ على أسعار السلع والخدمات في الأسواق.
معدلات التضخم التي يشعر بها المواطنون
وأضاف أن معدلات التضخم التي يشعر بها المواطنون في حياتهم اليومية تختلف في كثير من الأحيان عن الأرقام الرسمية المعلنة، خاصة مع الزيادات التي شهدتها أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الفترة الماضية، مثل الزيت والأرز والسكر والشاي وغيرها من المنتجات التي تمثل جزءًا رئيسيًا من إنفاق الأسر المصرية.
وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تآكل جزء من القوة الشرائية للرواتب والمدخرات، وهو ما يستدعي استمرار جهود الحكومة لزيادة الأجور والمعاشات بشكل تدريجي لمساعدة المواطنين على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة.
وأكد أن الحكومة تعمل على تحسين مستويات الدخول بالتوازي مع إصلاح منظومة الدعم، كما تتابع مدى التزام مؤسسات القطاع الخاص بتطبيق الحد الأدنى للأجور وفقًا لقانون العمل، من خلال حملات التفتيش والرقابة التي تنفذها الجهات المختصة لضمان حماية حقوق العاملين.
وفيما يخص آليات استهداف المستحقين للدعم النقدي، أوضح عامر أن الحكومة تعتمد على قواعد بيانات ومؤشرات متعددة لتحديد الفئات الأكثر احتياجًا، تشمل مستوى الدخل، وملكية العقارات، وحجم استهلاك الكهرباء، والحالة الاجتماعية، وعدد أفراد الأسرة، ومدى التحاق الأبناء بالتعليم، فضلًا عن مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.
برامج الحماية الاجتماعية
وأضاف أن برامج الحماية الاجتماعية، وعلى رأسها برنامج "تكافل وكرامة"، تستهدف في المقام الأول الفئات الأكثر احتياجًا، مع التوسع التدريجي في أعداد المستفيدين وفق الإمكانيات المتاحة بالموازنة العامة للدولة، بما يضمن استدامة هذه البرامج وعدم تعرضها لضغوط مالية قد تؤثر على استمرارها مستقبلًا.
وأشار إلى أن الحكومة تستعين بفرق البحث الاجتماعي والجهات المختصة لمراجعة البيانات والتحقق من الأوضاع المعيشية للأسر المتقدمة للحصول على الدعم، بهدف ضمان وصول المساعدات إلى المستحقين الفعليين ومنع أي حالات استغلال أو حصول غير المستحقين على الدعم.
وأوضح أن التحول إلى الدعم النقدي سيسهم في خفض الأعباء التي تتحملها الموازنة العامة للدولة نتيجة إدارة منظومة الدعم العيني، خاصة أن السلع التموينية تمر بعدد من المراحل والوسطاء قبل وصولها إلى المستهلك النهائي، وهو ما يضيف تكاليف تشغيلية وإدارية كبيرة تتحملها الدولة.
تعدد حلقات التداول والنقل والتخزين
وأضاف أن تعدد حلقات التداول والنقل والتخزين يؤدي في بعض الأحيان إلى تقليص القيمة الفعلية للدعم الذي يصل إلى المواطن مقارنة بما يتم تخصيصه في الموازنة العامة، بينما يتيح الدعم النقدي توجيه الموارد بصورة مباشرة وأكثر كفاءة إلى المستفيد النهائي.
وشدد على أن نظام الدعم النقدي يمثل فرصة لإعادة هيكلة منظومة التموين بالكامل وجعلها أكثر عدالة وشفافية وكفاءة، من خلال توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر استحقاقًا، والحد من أوجه الهدر والتسرب التي قد تشهدها بعض صور الدعم السلعي.
واختتم عامر تصريحاته بالتأكيد على أن التحول إلى الدعم النقدي يأتي في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه الدولة، والذي يستهدف تحسين كفاءة الإنفاق العام، وخفض أعباء الدعم غير الموجه، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا، بما يحقق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات الاستدامة المالية للموازنة العامة.