عاجل

هناك مجموعة كبيرة من المقولات المأثورة التي تُنسب للمفكر العربي الدكتور طلال أبو غزاله،  وأحد الخبراء الكبار في العالم في مجال حقوق الملكية الفكرية. هذه المقولات تلخص تجربته في الحياة، وعمق ثقافته، والقراءة العميقة، والتجارب المهمة التي مر بها خلال حياته. كلنا نعلم أن البدايات التي عاشها الدكتور طلال أبو غزاله كانت قاسية جدًا بمعنى الكلمة؛ وكان هناك تحول كبير في حياته من طفل يعيش حياة ميسورة ووسط عائلة من وجهاء مدينة يافا في فلسطين المحتلة، إلى عائلة تعاني كما كل الشعب الفلسطيني جراء النكبة التي ضربت فلسطين عام 1948.
في ذلك الوقت، كان عمره  طفل حين هاجر مع عائلته إلى لبنان، وتحديدًا إلى مدينة صيدا في جنوب لبنان. وسيرة طلال أبو غزاله وقصة كفاحه وحياته والمعاناة عالجتها كتابات عديدة من خلال مقالات ومن خلال كتب نشرت حول شخصيته، وكانت جميعها تتحدث عن مكونات شخصية هذا الطفل الذي، منذ مواجهة العائلة لهذه المحنة، كانت لديه ملكات كبيرة لكن جينات الشخصية المزروعة داخله كانت كاشفة على أنه طفل نبيل، لديه ثقة واعتزاز بالنفس، ويتعامل بواقعية مع قسوة الحياة؛ فلم يكابر، وبحث عن الطرق الحقيقية التي من خلالها تتعايش الأسرة وتأمين مصدر رزق كريم لإعانتها في هذه الظروف.
في نفس الوقت، لم يفكر ولو للحظة واحدة في التوقف عن مسار التعليم؛ ليس التعليم كهدف مجرد، بل التميز والتفوق والنبوع فيه. هذا النبوغ مكّنه من أن يحصل على المنح الدراسية للمتفوقين على عموم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وكان من أبرزها منحة الدراسة والإقامة وكل ما له علاقة بتفاصيل التعليم في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهي الجامعة التي كانت تضم أبناء الوجهاء والأثرياء والشخصيات المرموقة، لكن كان من بين هؤلاء طلال أبو غزالة بتميزه وتفوقه.
ومن أبرز المقولات التي تُنسب للدكتور طلال أبو غزاله  وتكشف عمق تجربته: "التعليم هو السلاح الوحيد الذي لا يمكن لأحد أن ينتزعه منك". فلسفة هذه المقولة كاشفة وواضحة عن قيمة التعليم وأهميته، والحصانة القوية التي يمنحها لمن يتسلح به؛ فقد يمتلك الإنسان المال، ولكن المال عُرضة للضياع والزوال جراء تقلبات الزمن أو الظروف السياسية والاقتصادية، بينما تبقى المعرفة راسخة في عقل صاحبها كأصل ثابت لا ينضب، وهي القادرة دوماً على إعادة بناء ما فُقد.
ومثلما شكل التعليم حصانته الأولى في مواجهة عدم اليقين، فإن لديه مقولة أخرى تعتبر درساً في الحياة في كيفية المواجهة، وفي كيفية التعامل مع الأزمات دون ارتكان للخنوع أو اندفاع أعمى، حيث يقول: "إذا واجهك أسد فاقدم عليه، لأنه سيهرب إن أقدمتَ عليه، وسيفترسك إن هربتَ منه". تختصر هذه المقولة عمق الجرأة في مواجهة الأزمات؛ فأصعب ما قد يواجهه الإنسان هو الوقوف وجهاً لوجه أمام خطر داهم كالأسد، ومع ذلك، فإن الفلسفة هنا تفرض الشجاعة كخيار وحيد وعملي، لأن عدم التحلي بالشجاعة والإقدام في هذه الحالة سوف يكون خسارة أكبر بكثير من تكلفة الإقدام.
هذه العقلية الجسورة توازت مع مرونة استثنائية في إدارة مؤسساته؛ فرغم تمدد مجموعته العالمية وتوسعها في كل أنحاء العالم، حافظ الرجل على حضور إنساني كبير يجمع بين احترام الصغير قبل الكبير، والاعتزاز الشديد بالنفس، وبناء علاقات خاصة وممتدة مع القادة والملوك والزعماء. ولعل هذا التوازن هو ما جعل منه اسماً فاعلاً في المحافل الدولية؛ إذ حظي بتقدير خاص في الأمم المتحدة من الأمناء العامين للمنظمة الدولية كالدكتور بطرس غالي وكوفي عنان.
ولم يكن من قبيل المصادفة، قبل سنوات، حين زار الرئيس الصيني شي جين بينج مصر، واختار تكريم عشر شخصيات عربية وأفريقية بارزة لتأثيرهم في مد الجسور بين الحضارتين العربية والصينية، أن يكون من بين المكرمين طلال أبو غزالة، الذي نال هذا التقدير الرفيع لأنه يمثل جسراً حقيقياً للعلاقات العربية الصينية عبر مؤسساته التعليمية التي تنشر الثقافة الصينية، كما تنشر الثقافة العربية داخل الصين.ولم يكن من قبيل المصادفة، قبل سنوات، حين زار الرئيس الصيني شي جين بينج مصر، واختار تكريم عشر شخصيات عربية وأفريقية بارزة لتأثيرهم في مد الجسور بين الحضارتين العربية والصينية، أن يكون من بين المكرمين طلال أبو غزالة، الذي نال هذا التقدير الرفيع لأنه يمثل جسراً حقيقياً للعلاقات العربية الصينية عبر مؤسساته التعليمية التي تنشر الثقافة الصينية، كما تنشر الثقافة العربية داخل الصين.
إنها شخصية متنوعة، متميزة، ومتفردة، صاغت من ثقافة العمل والخصوصية نموذجاً عربياً مشرفاً جداً. كل من اقترب منه يشعر بطبيعة خاصة في العلاقة مع الدكتور طلال أبو غزاله، رجلٌ صاغ من تراب اللجوء نجاحاً عالمياً، وظل مخلصاً لقضيته الأولى، متمنياً ومكافحاً لتكون فلسطين حاضرة دائماً في كل المحافل العربية والدولية بما تستحق من مكانة ورفعة.

تم نسخ الرابط