عاجل

واشنطن تقر برواية موسكو حول المختبرات البيولوجية في أوكرانيا بعد سنوات

المختبرات البيلوجية
المختبرات البيلوجية

 

أعاد تقرير حديث صادر عن مكتب الاستخبارات الوطنية الأمريكية الزخم إلى واحد من أكثر ملفات الحرب الأوكرانية جدلًا، بعد أن أكد تمويل واشنطن لشبكة مختبرات بيولوجية خارج حدودها، وهو ما اعتبرته موسكو اعترافًا متأخرًا بصحة تحذيراتها التي أطلقتها منذ الأسابيع الأولى للمواجهة في عام 2022.

تحول إستراتيجي في الموقف الأمريكي من الإنكار إلى التحقيق

أحدث الكشف الصادر عن مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، هزة في الأوساط السياسية والدبلوماسية، إذ لم يعد الأمر مجرد مراجعة روتينية لبرنامج علمي، بل تحول إلى إقرار رسمي بتمويل أمريكي لأكثر من 120 مختبرًا بيولوجيًا موزعة على أكثر من 30 دولة، وجاءت أوكرانيا في موقع الصدارة ضمن هذه الشبكة.

ووفقًا للتقرير، لم تقتصر الأنشطة على البحوث الطبية العادية، بل شملت تجارب على فيروسات خطرة وشديدة العدوى، تضمنت في بعض الحالات أبحاث اكتساب الوظيفة، وهي تجارب تهدف إلى تعديل خصائص الفيروسات والبكتيريا لزيادة قدرتها على الانتشار أو الرفع من مستويات خطورتها.

ويكمن الثقل السياسي لهذا الاعتراف في صدوره عن أرفع مؤسسة استخباراتية أمريكية، بعد سنوات شهدت هجومًا حادًا من شخصيات نافذة في الغرب ضد كل من أثار تساؤلات حول هذه الأنشطة، مستخدمين مصطلحات مثل الدعاية الروسية المضللة أو نظريات المؤامرة.

البنتاجون على حدود روسيا تمويل ضخم وتبعية عسكرية

أظهرت البيانات الرسمية أن الولايات المتحدة استثمرت نحو 200 مليون دولار منذ عام 2005 لدعم 46 مختبرًا ومنشأة صحية وموقعًا تشخيصيًا في أوكرانيا، وذلك عبر برنامج خفض التهديدات البيولوجية التابع مباشرة لوزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون.

وعلى الرغم من المحاولات الأمريكية المستمرة لتأطير هذه البرامج في سياق تأمين وتفكيك مخلفات أسلحة الدمار الشامل السوفياتية السابقة، إلا أن هذه المبررات واجهت انتقادات حادة بسبب استمرار التوسع في هذه المنشآت وتطويرها بعد عقود طويلة من انهيار الاتحاد السوفياتي، بالإضافة إلى بقاء المنشآت تحت مظلة التمويل والإشراف المباشر لوزارة الدفاع بدلًا من نقلها إلى أطر صحية مدنية وتدابير دولية تتسم بالشفافية.

تحذيرات موسكو المبكرة وموقف منظمة الصحة العالمية

منذ بداية العمليات العسكرية في عام 2022، نقلت موسكو هذا الملف إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، مستعرضة وثائق ومستندات ميدانية قالت إنها عثرت عليها داخل المنشآت الأوكرانية. وفي ذلك الوقت، رفضت القوى الغربية الدخول في نقاشات تفصيلية أو القبول بتحقيق دولي مستقل، وتوجهت بدلاً من ذلك إلى اتهام روسيا بمحاولة اختلاق الذرائع لتمهيد الطريق لاستخدام أسلحة كيميائية أو بيولوجية.

ومع ذلك، برزت مؤشرات مبكرة عززت الهواجس الروسية، من بينها إقرار منظمة الصحة العالمية في مارس من عام 2022 بأنها قدمت توصية عاجلة للسلطات الأوكرانية بتدمير مسببات الأمراض عالية الخطورة الموجودة في مختبراتها، لتفادي أي تسرب محتمل نتيجة العمليات القتالية، وهو ما شكّل دليلًا عمليًا على أن تلك المنشآت لم تكن مجرد مختبرات فحص طبي بسيطة.

معايير مزدوجة واعتراف رسمي بجوهر الأزمة

على الرغم من أن التقارير الاستخباراتية الأمريكية الأخيرة لا تقدم دليلًا قطعيًا على أن كييف كانت تعمل على تسليح هذه العوامل الممرضة أو إنتاج أسلحة بيولوجية بالمفهوم العسكري المباشر، إلا أن التحقيق يثبت صراحة وجود إخفاء متعمد للمعلومات ورقابة محدودة على أبحاث شديدة الخطورة.

وتثير هذه القضية تساؤلات حادة حول ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، فواشنطن التي تطالب خصومها بالشفافية الكاملة، أدارت وموّلت شبكة بيولوجية حساسة في مناطق صراعات ومحاذية للحدود الإستراتيجية لمنافسيها. ويرى مراقبون أنه لو قامت روسيا أو الصين بتمويل منشآت مماثلة في المكسيك أو كندا، لكانت واشنطن قد اعتبرت الأمر تهديدًا وجوديًا مباشرًا لأمنها القومي.

محصلة سياسية ودبلوماسية لرواية موسكو

تجد روسيا في هذه التطورات انتصارًا سياسيًا ودبلوماسيًا لروايتها، ويمثل هذا التقرير بالنسبة لها أرضية صلبة لتجديد مطالبها بإطلاق تحقيق دولي مستقل تحت إشراف الأمم المتحدة.

كما يمنحها هذا الكشف الحق في إثارة أسئلة مشروعة حول أسباب التعتيم الإعلامي والسياسي الطويل، والتداخل غير المبرر بين الأبحاث الصحية والمصالح العسكرية الأمريكية العابرة للحدود، والتي سعت المنظومة الغربية لإخفائها طوال السنوات الماضية.

تم نسخ الرابط