شهادات تتوالى.. اتهامات خطيرة بوقائع «عنف توليدي» في الرعاية الصحية
تواصل الدكتورة فريدة محجوب، الطبيبة والباحثة في صحة المرأة والطفل، تسليط الضوء على قضية “العنف التوليدي” في مصر، مؤكدة تلقيها خلال الساعات الماضية عددًا كبيرًا من الشهادات الجديدة من سيدات تعرضن لوقائع مختلفة داخل بعض المؤسسات الصحية.
ودعت محجوب، في منشور لها عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، كل سيدة تعرضت لأي شكل من أشكال العنف أثناء الرعاية الصحية أثناء الحمل أو الولادة، إلى إرسال شهادتها لتوثيقها وتجهيزها بشكل قانوني تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات اللازمة والتوجه بها إلى الجهات المختصة، مشيرة إلى أن الهدف هو دعم الضحايا ومحاسبة أي تجاوزات محتملة.
كما طالبت زملاءها من العاملين في المجال الطبي ممن لديهم شهادات أو معلومات ذات صلة بالقضية بالمساهمة في توثيق الحالات، في إطار جهود موسعة لرصد ما وصفته بـ”صور العنف التوليدي”.
وحددت محجوب 14 صورة رئيسية للعنف التوليدي، شملت العنف اللفظي مثل الإهانة والتهديد ورفع الصوت، إضافة إلى إجراء تدخلات طبية دون موافقة مستنيرة، أو دون شرح كافٍ للمريضة، وكذلك انتهاك الخصوصية أثناء الولادة، وحرمان السيدة من وجود مرافق أثناء عملية الولادة.
كما تضمنت القائمة الإهمال الطبي، وإلغاء دور الأم في اتخاذ القرار الطبي، والضغط أو التهديد بإجراءات طبية، إلى جانب إجراء تدخلات غير ضرورية طبيًا مثل بعض العمليات القيصرية أو الإجراءات التوليدية دون مبرر طبي واضح.
وشملت أيضًا صورًا أخرى من بينها التحرش الجنسي اللفظي أو الجسدي، والعنف الجسدي المباشر، وحرمان الأم من الرعاية المبنية على الدليل العلمي مثل تقييد الحركة أو فصل المولود دون داعٍ طبي، إضافة إلى ضعف التواصل الطبي مع المريضة أو حجب المعلومات، وأشكال من التمييز ضد بعض الفئات، وأخيرًا احتجاز المرضى لأسباب مالية أو ابتزاز يتعلق بتكاليف الرعاية.
وتأتي هذه الدعوات في إطار تصاعد النقاش المجتمعي حول جودة خدمات الرعاية الصحية للنساء أثناء الولادة، وضرورة وضع ضوابط أكثر صرامة لضمان حقوق المريضات داخل المؤسسات الطبية، بما يتوافق مع المعايير الدولية للرعاية الصحية الآمنة والإنسانية.
وفي وقت سابق، تحدثت الدكتورة فريدة محجوب، طبيبة وباحثة دكتوراه في صحة المرأة والطفل، عن ما اسمته “العنف التوليدي” في مصر، موضحة أنها بدأت عملها البحثي في هذا الملف منذ عام 2013 خلال إعدادها لرسالة الماجستير حول اكتئاب ما بعد الولادة، حيث درست حالات لأمهات أطفال تتراوح أعمارهم بين شهرين و12 شهرًا داخل مراكز صحية مختلفة بالقاهرة الكبرى.
وأوضحت "أن نتائج الدراسة أظهرت وصول نسب اكتئاب ما بعد الولادة إلى نحو 78% مقارنة بالنسب العالمية التي كانت في حدود 15%، مشيرة إلى أن الصادم في النتائج لم يكن الرقم فقط، بل وجود نحو 13% من الحالات تعاني من أعراض ذهانية قد تؤدي إلى إيذاء النفس أو الآخرين، بما يتطلب تدخلًا علاجيًا متخصصًا من المستوى الثالث داخل المستشفيات.
وأضافت أن هؤلاء الأمهات كنّ يتعاملن في المجتمع بشكل طبيعي دون إدراك لحالتهن، في ظل تفسيرات اجتماعية تقلل من خطورة الأعراض، معتبرة أن ذلك كان أحد دوافع التوسع في دراسة ما أسمته “العنف التوليدي” داخل المنظومة الصحية.
وأشارت إلى أنها استكملت عملها البحثي عام 2016 ثم بدأت في 2018 دراسة جديدة داخل مستشفى القصر العيني حول “الرعاية المحترمة للأمومة” (Respectful Maternity Care)، موضحة أن مفهوم العنف التوليدي يشمل نحو 14 ممارسة تتعرض لها النساء أثناء الحمل والولادة، تبدأ من العنف اللفظي وسوء المعاملة، وغياب الخصوصية داخل غرف الولادة، وعدم السماح بوجود مرافق أثناء الولادة، وصولًا إلى ممارسات جسدية أو إجرائية غير مقبولة طبيًا.
وتابعت أن الدراسة شملت أيضًا تقييم وعي الأطقم الطبية والتمريضية بهذه الممارسات، إلى جانب قياس وعي الأمهات بحقوقهن، مشيرة إلى أن النتائج أظهرت نسبًا مرتفعة لتعرض النساء لأشكال مختلفة من هذه الممارسات تجاوزت 90% وفق ما رصدته الدراسة.
وأوضحت أنها واجهت صعوبات خلال عرض نتائج البحث داخل بعض المؤسسات الطبية، وصلت إلى حد رفض ومهاجمة النتائج والتهديد بعدم نشرها، قبل أن تستكمل عملها لاحقًا عبر التعاون مع مؤسسات بحثية ومبادرات متخصصة، وصولًا إلى تأسيس مبادرة موسعة عام 2022 ضمت باحثين وأطباء وبرلمانيين وقانونيين وصحفيين للعمل على الملف بشكل مؤسسي.
وأكدت أنها تواصل عملها البحثي حتى الآن في هذا المجال، مشيرة إلى أن تجارب الولادة بما تتضمنه من صدمات أو ممارسات سلبية لا تُنسى لدى كثير من النساء حتى بعد مرور سنوات طويلة، وأن الهدف من إثارة هذا الملف هو تحسين جودة الرعاية الصحية وضمان معاملة تحفظ كرامة المرأة أثناء الولادة.