في فلسفة القانون الوضعي، ثمة قاعدة ذهبية تمثل حجر الزاوية لاستقرار المجتمعات وسلامها النفسي، تتلخص في فكرة "تحديد الاختصاص ورسم حدود المسؤولية". فالقانون في جوهره لم يُشرَّع لكي يفتش في ضمائر الناس، أو ينصّب أفرادًا عاديين قضاةً على حياة أو مصائر غيرهم؛ بل على النقيض من ذلك، جاء لكي يضمن التزام كل إنسان بنطاقه الشخصي.. أو كما يقال في المأثور: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
وإذا نحينا المصطلحات الجافة جانبًا وتأملنا عمق الفكرة الإنسانية، سنجد أن أغلب أزماتنا ونزاعاتنا تنبع من نقطة واحدة: حين يقرر الإنسان أن يمنح نفسه "سلطة اتهام وحكم" بلا غطاء لها من شرع أو قانون، ويبدأ في التدخل في مصائر البشر ومقاديرهم (من يستحق ومن لا يستحق، ومن المصيب ومن المخطئ).
وهنا نجد أنفسنا أمام نقاط مهمة:
تجاوز حدود الاختصاص: إن توزيع الأرزاق، والهداية، وتقييم سرائر القلوب.. كلها أمور خارجة تمامًا عن ولايتك القانونية والإنسانية. فحين تجهد عقلك بالتفتيش وراء الناس، فإنك في واقع الأمر تنتزع دورًا ليس دورك، وتثقل كاهلك بما لا تطيق.
آفة "الأنا" (الإيجو): إن فكرة "أنا الأفضل" أو "أنا أولى بالنعمة من غيري" هي المنبع الأساسي لكل السلوكيات الإقصائية والعدوانية؛ وهذا الكبر وتضخم "الأنا" هما ما يدفعان الشخص إلى استباحة التعدي على المساحات الآمنة للآخرين.
فلسفة الخطأ والصواب: يعترف القانون الوضعي بالضعف الإنساني؛ ولذلك فهو يعاقب على الضرر الواقع على الغير، لكنه لا يحاسب على النوايا الخفية. فالتجرية البشرية بطبيعتها قائمة على المحاولة، والخطأ، والتعلم، والتقويم.
إن المعنى الخالص الذي يمنحك سلامًا داخليًا حقيقيًا هو التركيز في دائرة تأثيرك ومسؤوليتك فحسب. افعل الصواب لأن ذلك التزامك الذاتي والأخلاقي تجاه نفسك وتجاه المجتمع، واطلب من الله ما تتمناه دون أن تتطلع إلى "الملكية الفكرية" أو المادية لحياة غيرك.
أرح عقلك وقلبك من محاولات التسلط على ما لا تملك أو يعنيك .. ودع الخلق للخالق.