«بورغنشتوك».. جبل السينما والسلام يحتضن اتفاقا مرتقبا بين واشنطن وطهران
فوق مرتفعات بورغنشتوك المطلة على بحيرة لوتسرن في سويسرا، حيث اجتمعت شهرة السينما مع محاولات صناعة السلام، يستعد مفاوضون أمريكيون وإيرانيون لتوقيع اتفاق ينهي حربا استمرت نحو أربعة أشهر، في مشهد يعيد إلى الجبل دوره التاريخي كمسرح للاتفاقات الكبرى.

ومن المقرر أن يشهد يوم 19 يونيو توقيع الاتفاق في موقع لا يشبه قاعات المفاوضات التقليدية، فلا وزارة خارجية ولا فندق داخل مدينة، بل منتجع جبلي لا يمكن الوصول إليه إلا عبر قطار مائل وعبّارة خاصة، في مكان اعتاد استقبال شخصيات عالمية منذ افتتاحه عام 1873.
لكن بورغنشتوك يحمل ذاكرة مزدوجة، فهو جبل شهد لحظات تاريخية من الأمل، لكنه شهد أيضا اتفاقات اصطدمت لاحقا بتعقيدات الواقع السياسي.

من زفاف أودري هيبورن إلى عالم جيمس بوند
ارتبط اسم بورغنشتوك لعقود بعالم الفن والسينما، ففي كنيسة المنتجع الصغيرة تزوجت النجمة البريطانية أودري هيبورن من ميل فيرير عام 1954، كما عاشت في فيلا قريبة من الجبل حتى عام 1966، حيث شهدت الكنيسة نفسها تعميد ابنها.
وأقامت النجمة الإيطالية صوفيا لورين في إحدى فيلات المنطقة لمدة 13 عاما، فيما احتضنت منحدرات الجبل مشاهد من فيلم جيمس بوند الشهير "غولدفينغر" من بطولة شون كونري.

جبل الاتفاقات التي لم تكتمل
ورغم بريقه السينمائي، فإن الذاكرة السياسية لبورغنشتوك أكثر تعقيدا، ففي مارس 2004، استضاف المنتجع محادثات إعادة توحيد قبرص برعاية الأمم المتحدة، والتي انتهت إلى خطة قدمها الأمين العام الأسبق للمنظمة كوفي أنان.
ووصف أنان الخطة آنذاك بأنها إطار عادل يهدف إلى منح القبارصة مستقبلا مشتركا وآمنا، إلا أنها سقطت بعد أسابيع فقط عندما رفضها القبارصة اليونانيون في استفتاء شعبي، لتتحول وعود السلام التي صيغت فوق الجبل إلى خلافات على الأرض.
وعاد بورغنشتوك إلى الواجهة في يونيو 2024، عندما استضاف أكبر حدث دبلوماسي في تاريخ سويسرا، وهي قمة السلام بشأن أوكرانيا، التي شارك فيها ممثلون عن نحو 92 دولة و8 منظمات دولية، بينما غابت عنها روسيا.
كما شهد المنتجع عام 2002 توقيع اتفاق وقف إطلاق نار يتعلق بمنطقة جبال النوبة في السودان برعاية أمريكية وسويسرية.

سويسرا.. الوسيط الصامت بين واشنطن وطهران
ولا يرتبط اختيار سويسرا فقط بمكانتها كدولة محايدة، بل أيضا بدورها التاريخي في العلاقات الأمريكية الإيرانية.
فمنذ 21 مايو 1980، أصبحت سويسرا "القوة الحامية" للمصالح الأمريكية في إيران، بعد قطع واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع طهران عقب أزمة الرهائن.
وخلال أكثر من أربعة عقود، لعبت السفارة السويسرية في طهران دور قناة الاتصال غير المباشرة بين البلدين، حيث نقلت رسائل في فترات التوتر، وساهمت في ملفات حساسة، من بينها الاتصالات المرتبطة بالاتفاق النووي عام 2015 وعمليات تبادل المحتجزين عام 2023.
ولهذا فإن اختيار بورغنشتوك لاستضافة توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني المحتمل لا يبدو مجرد اختيار لموقع خلاب، بل امتدادا لدور سويسرا الطويل كحلقة وصل هادئة بين خصمين عندما تنقطع قنوات التواصل الأخرى.



