إن الحرب المستمرة والعدوان المتواصل على قطاع غزة، والتصعيد الإسرائيلي العسكري المستمر على الضفة الغربية، وتضييق الخناق على المواطنين الفلسطينيين في القدس المحتلة، وكذلك الواقع الفلسطيني العام الذي يشهد حالة من الإنقسام السياسي بين شطري الوطن بالضفة وغزة منذ العام 2007، وغياب الرؤية والهدف وعدم وجود آفاق جديدة لمستقبل وطن يتطلع له جموع الفلسطينيين؛ كل هذا وأكثر يحتاج إلى جهة موثوق بها ولها علاقات وطيدة مع الفلسطينيين، سواء فصائل وتنظيمات أو جماعات وشخصيات وأفراد، من الممكن أن تؤهل هذه الجهة لإحراز إنجاز حقيقي وفعلي لملمة الصف الفلسطيني المنقسم على ذاته، ومن أجل فتح آفاق جديدة مستقبلية للحالة السياسية الفلسطينية للخروج من عنق الزجاجة والأخذ بيدها بالنهوض واستعادة مكانتها عربيًا وعالميًا، ضمن إطار الثوابت العامة والحقوق المشروعة والكاملة للشعب الفلسطيني التي نصت عليها الأعراف والمواثيق الدولية.
إنه ومن المؤكد الجهة التي يجب التعويل عليها والنظر إليها فلسطينيًا بعين الأهمية والاعتبار هي جمهورية مصر العربية، وهذا لعدة اعتبارات هامة وعوامل أكثر أهمية تم توثيقها بالتجربة والبرهان والدليل تجاه مصر ووقوفها على تواصل واستمرار بجانب الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته؛ لأن المواقف الكثيرة والمتعددة تثبت صحة هذا الطرح بمنطقية وتجرد وعقلانية في سياق الحيادية المطلقة.
إن جمهورية مصر العربية وامتدادها الإنساني والسياسي والوطني والتاريخي بالوقوف مع الشعب الفلسطيني منذ نشأة الثورة الفلسطينية المعاصرة، من خلال مشاركتها جنبًا إلى جنب مع كافة الأحداث والمعطيات التي ألمت بالشعب الفلسطيني وقضيته وصولاً إلى شراكة الدم الواحد في المعارك والحروب التي خاضتها الثورة الفلسطينية، تجعل من مصر القادرة على احتضان الحالة السياسية الفلسطينية برمتها، والعمل على تأهيلها وصناعة واقع جديد يتفق عليه الجميع للخروج من غياهب النفق المظلم، والسير بخطى ثابتة وواثقة نحو النور.
إن جمهورية مصر العربية لم تهدأ ولم تستكن ولم تتراجع خطوة للوراء منذ أكثر من 17 عامًا على إثر الانقسام السياسي بين الضفة وغزة، وكانت مصر صاحبة الموقف الوطني الأول الذي امتلك زمام المبادرة الأولى من خلال دعوة كافة الفصائل من أجل إنهاء الانقسام، فكان لمصر صولات وجولات لا تعد ولا تحصى بجمع الفصائل والتنظيمات والشخصيات على طريق استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام ولملمة الصف الفلسطيني وتوحيده، من أجل الانطلاق نحو مسيرة الحرية والاستقلال وإقامة الدولة المستقلة.
إن جمهورية مصر العربية كان لها الحضور الأهم بالدفاع عن شعبنا الفلسطيني والحروب الإسرائيلية والتصعيد العسكري على الأراضي الفلسطينية، فكانت مصر السباقة دومًا بالتحرك ميدانيًا ودبلوماسيًا مع كافة الدول العربية والمجتمع الدولي لتسليط الضوء على المعاناة والمأساة الفلسطينية وإيصالها إلى كافة المحافل والميادين الدولية، ضمن رؤية توافقية فلسطينية عربية مشتركة تعبر بها عن الأهداف والتطلعات الإنسانية والسياسية معًا لكافة الفلسطينيين.
إن حرب السابع من أكتوبر، حرب الإبادة التي ما زالت مستمرة على قطاع غزة، كان لمصر الدور الطليعي والأبرز في مواجهة سياسات وممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضد غزة، والإعراب بشكل صريح وعلني عن رفضها المطلق لتلك السياسات والممارسات، وصولاً للوقوف في وجه حكومة الاحتلال ومطالبتها بوقف الحرب والتصعيد، من خلال ما تملكه مصر من علاقات احترام وتقدير لها مع دول العالم.
استطاعت جمهورية مصر العربية مشكورة طوال عامين ونصف من الحرب المستمرة على غزة أن تنجح من خلال علاقاتها الدبلوماسية أن يتم التوصل إلى التهدئة وإبرام أكثر من هدنة إنسانية خلال فترة الحرب على غزة والتي ما زالت مستمرة، وهذا من أجل التعويض الإنساني لسكان القطاع بتوفير أدنى مقومات الحياة الإنسانية البسيطة من إغاثة وأدوية ومأكل ومشرب من خلالها ومن خلال العديد من الدول العربية الشقيقة والعديد من دول العالم المناصرة لعدالة القضية الفلسطينية، من خلال تقديم كل المستطاع عبر معبر رفح البري.
استطاعت جمهورية مصر العربية وبحنكة دبلوماسية وسياسة هادئة متزنة أن تكون على الدوام المرجعية الوطنية الأولى لشعبنا، وهذا عبر رعايتها واحتضانها للقاءات الفصائل والتنظيمات الفلسطينية كافة من أجل تشكيل حالة وطنية ضمن ثوابت ومعايير ومحددات تستطيع مصر السير بها قدمًا نحو وحدة الموقف الفلسطيني وتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على غزة وفق رؤية واضحة ذات قواسم مشتركة يجمع عليها الجميع وبمن فيهم وسطاء التفاوض، من أجل الضغط على حكومة الاحتلال الإسرائيلي بالالتزام بوقف الحرب نهائيًا والدخول في مرحلة استعادة الحياة تدريجيًا لقطاع غزة وإعادة الإعمار والبناء.
فلهذا وأكثر، تعتبر مصر صمام الأمان.. والضمان لتوحيد الصف الفلسطيني ووقف الحرب والتصعيد على غزة وكافة الأراضي الفلسطينية، واستعادة الهدوء والاستقرار على طريق المضي قدمًا نحو المشروع الوطني المستقل الداعم للحرية والاستقلال.
**ثائر أبو عطيوي**
*مدير مركز العرب للأبحاث والدراسات في فلسطين*
*وعضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين*