منذ عقود طويلة، حرص تنظيم الإخوان المسلمين على تقديم نفسه باعتباره الوصي على القضية الفلسطينية، والمدافع الأول عن حقوق الشعب الفلسطيني، حتى باتت الكوفية الفلسطينية جزءًا من المشهد المعتاد في فعالياته ومؤتمراته وخطابات قادته. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ماذا قدم الإخوان للقضية الفلسطينية بعيدًا عن الشعارات والخطب الرنانة؟ وما هي الإنجازات الحقيقية التي أضافها التنظيم لهذه القضية العادلة التي لا تحتمل المتاجرة أو الاستغلال؟
الحقيقة التي تؤكدها الوقائع أن القضية الفلسطينية كانت، ولا تزال، واحدة من أهم أدوات التعبئة السياسية لدى الجماعة. فكلما تعرض التنظيم لأزمة سياسية أو أمنية، أعاد رفع راية فلسطين واستدعى خطاب المظلومية، في محاولة لاستقطاب التعاطف الشعبي وتقديم نفسه باعتباره ضحية لأنه "يدافع عن فلسطين"، بينما الواقع يؤكد أن الدفاع عن القضية الفلسطينية لم يكن يومًا حكرًا على تنظيم أو جماعة، بل كان موقفًا تاريخيًا للدولة المصرية والشعوب العربية كافة.
لقد نجح الإخوان عبر سنوات طويلة في توظيف المشاعر الجياشة تجاه الشعب الفلسطيني لخدمة مشروعهم التنظيمي العابر للحدود. فالقضية بالنسبة لهم لم تكن مجرد قضية عربية عادلة، وإنما ورقة سياسية يتم استخدامها متى اقتضت المصلحة التنظيمية، سواء في الحشد أو التجنيد أو جمع التبرعات أو توجيه الاتهامات للخصوم السياسيين.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا: ما الذي قدمه الإخوان فعليًا للفلسطينيين؟ هل أقاموا دولة؟ هل حرروا أرضًا؟ هل نجحوا في إنهاء الانقسام الفلسطيني؟ أم أن حصاد عقود طويلة من المتاجرة بالقضية لم يتجاوز حدود الشعارات والهتافات؟
واللافت أن التنظيم كان من أكبر المستفيدين سياسيًا وإعلاميًا من كل أزمة يشهدها قطاع غزة. فكل تصعيد عسكري كان يتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج خطاب الجماعة، وحشد الأنصار، وجمع التبرعات تحت شعارات نصرة الشعب الفلسطيني. لكن تجارب عديدة أثارت تساؤلات حول آليات إدارة هذه الأموال وشفافية إنفاقها، خاصة في ظل اتهامات متكررة وجهتها جهات رقابية وإعلامية في أكثر من دولة بشأن استغلال العمل الخيري لأغراض سياسية وتنظيمية. وهو ما يؤكد أن القضية الفلسطينية كثيرًا ما استُخدمت كوسيلة لتعظيم النفوذ السياسي أكثر من كونها مشروعًا حقيقيًا لدعم الشعب الفلسطيني.
والمفارقة الكبرى أن الجماعة التي تتهم الآخرين بالتقصير تجاه فلسطين، لم تقدم خلال فترة حكمها القصيرة لمصر أي تحول استراتيجي يخدم القضية الفلسطينية. فعندما وصل الإخوان إلى السلطة عام 2012، اصطدمت الشعارات بمتطلبات الدولة وموازين القوى الإقليمية والدولية، فظهرت لغة مختلفة تمامًا عن خطاب المنصات والميادين.
فقد حرصت السلطة آنذاك على التأكيد مرارًا على احترام المعاهدات والاتفاقيات الدولية القائمة، وفي مقدمتها معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. كما كشفت تقارير وتصريحات في ذلك الوقت عن سعي القيادة الحاكمة إلى إرسال رسائل طمأنة إلى مختلف الأطراف الدولية والإقليمية، بما فيها إسرائيل، بما يضمن استمرار العلاقات وفق الأطر القائمة. وهنا يبرز التناقض الواضح بين الخطاب الثوري الذي رفعته الجماعة لعقود، وبين ممارساتها عندما انتقلت من المعارضة إلى الحكم.
وفي المقابل، فإن الدولة المصرية هي التي دفعت الثمن الحقيقي دفاعًا عن القضية الفلسطينية. فقد قدم الجيش المصري آلاف الشهداء في حروب 1948 و1956 و1967 و1973، وتحملت مصر أعباء سياسية وأمنية واقتصادية هائلة من أجل دعم الحقوق الفلسطينية، كما لعبت الدور الرئيسي في جهود التهدئة ووقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة في أصعب الظروف.
ورغم ذلك، لم تتوقف الجماعة عن استخدام القضية الفلسطينية كمنصة للهجوم على مصر ومؤسساتها الوطنية، في محاولة لتشويه الدور المصري أو التقليل من أهميته، بينما تؤكد الوقائع أن القاهرة كانت وما زالت الطرف الأكثر تأثيرًا في ملف المصالحة الفلسطينية والحفاظ على استقرار القطاع ومنع انزلاق المنطقة إلى الفوضى.
إن القضية الفلسطينية أكبر وأشرف من أن تتحول إلى أداة للدعاية السياسية أو وسيلة لتحقيق مكاسب تنظيمية. ففلسطين لا تحتاج إلى خطابات عاطفية أو مزايدات إعلامية، وإنما تحتاج إلى دعم حقيقي ومسؤول يحفظ حقوق شعبها ويصون استقرار المنطقة.
لقد أثبت التاريخ أن الشعارات وحدها لا تحرر أرضًا، وأن المتاجرة بالقضايا الكبرى قد تحقق مكاسب مؤقتة لبعض التنظيمات، لكنها لا تصنع إنجازًا حقيقيًا للأوطان. وستظل القضية الفلسطينية قضية أمة بأكملها، لا يملك أحد حق احتكارها أو التحدث باسمها، مهما رفع من شعارات أو ارتدى من كوفيات.