عاجل

بغض النظر عن معنى الحب وأهميته، إلا أن أهل الفن يعدوا من أكثر فصيل من البشرية الذين تناولوا تفاصيل هذا المسمى على الشاشة وعبر الأثير، بل وفي حياتهم الخاصة أيضًا.

بالعودة إلى التاريخ، نجد أنه هناك من خلدهم التاريخ وسطر أسماءهم بحروف من حب، وعلى رأسهم "مجنون ليلى" الذي هام في الصحراء وملأ دنياه شعرًا واصفًا فيه ليلاه وحبه الأبدي لها، والذي صوره فيه كأجمل ما أنجبت البشرية على وجه الأرض. وقد قالت ليلاه عنه بعد أن فقد عقله وأصبح مجنونًا وتملكه الحزن حتى قضى عليه، قالت ردًا على أحد الحكام عندما عرف أنها ليلى قيس، أو من قال عنها قيس الشعر ووصفها بكل الموصوفات من الجمال والتميز، قال لها: كيف قال ذلك وأنتِ لستِ كما ذكركِ، فأنا لا أرى فيكِ جمالاً ولا تميزًا كما وصفكِ في أشعاره؟ فردت عليه وكلها فخر: لم ترني بعينه ولم تدرك دواخلي بقلبك كما كان يراني ويدركني قيس.

ومن المحبين أيضًا "كثير عزة"، وهو الآخر جمع اسمه باسم من أحبها من كثرة ما ذكره عنها من كلمات تتمنى كل فتاة على وجه الأرض أن تكون صاحبتها. ولا ننسى عنترة بن شداد وشعره الخالد في وصف عبلته التي هام بها حبًا. ومن غير العرب يتواصل مفهوم الحب الخالد عند أصحابه، فيخلد التاريخ قصصًا عاطفية يتربع فيها كليوباترا وأنطونيو، وروميو وجولييت وغيرهم؛ كل هؤلاء تحدث عنهم الكتاب وصور مشاهدهم ولوعاتهم الفنانون والرسامون والموهوبون بصفة عامة.

أهل الفن أصابتهم سهام الحب وتمركزت في أعماقهم؛ فمن منا لم يدخل قلبه أحاديث سامية جمال عن دون جوان مصر رشدي أباظة وحبهما الذي دام سنوات، وحديث الفنانة الراحلة تحية كاريوكا عن زوجها الأخير فايز حلاوة رغم ما فعله معها من تجاوزات وصلت به لطردها من بيتها بملابس النوم واستيلائه على كل ما تملك، ومع ذلك سامحته لأنها أحبته. وصباح الشحرورة ومشاعرها الجياشة تجاه أكثر أزواجها مكوثًا معها لفترة تعد الأطول في تاريخ أزواجها "فادي". ومن هؤلاء الفنانين الذين أبدعوا في وصف حب أزواجهم كانت الفنانة مديحة يسري عندما تحدثت عن أحمد سالم زوجها الذي تفانى في إسعادها بكافة الطرق، والتي تمنت أن تظل معه طول عمرها إلا أن القدر حرمها منه بوفاته مبكرًا.

ولأن الزمن الجميل طرح فنانين أجمل، فكان الحب يعيش فيه في أزهى عصوره وأوقاته، ووصلنا إلى زمن الفن البلطجي وعالم البلطجية والرشاوى والخيانات والسرقات والمحسوبيات، وكان الناتج حبًا مشوهًا مبتورًا كل أبطاله ومريديه لهم منه نصيبًا؛ فها هو من تزوج سرًا وأخفى عن زوجته سنينًا، وآخر دفع الملايين من أجل أن تخفي عشيقتها فيديو له مبتذل، وغيرهم ممن استخدموا البلطجية لإجبار من كانت لهم معها علاقة أن تتقوقع داخل حدودها ولا تقترب منه وإلا.. هذا هو الحب الذي أفرزه فن ما بعد أحداث ما عُرف بالربيع العربي، حب مستنقعات شبيه بما امتلأ به المجتمع المصري من آفات تحاوطنا من كل جانب منذ ذلك التاريخ ولأجل لا يعلمه إلا الله والعالمين ببواطن الأمور.

أيها الحب لا تبالِ بما يفعلونه باسمك فأنت بريء منهم، وهم من شوهوك وأفسدوا كينونتك وماهيتك؛ نعم منك ما قتل ولكن بك نحيا ونواصل حياتنا، وكما قالت المغنية القديمة القديرة: "من غير حب الدنيا ديه إيه... من غير حب نعيش على إيه"..... يحيا الحب ويموت كل من يتاجر به.

تم نسخ الرابط