عاجل


إذا كان لكل شيء في الدنيا بدلٌ أو عوض، فإن الوقت وحده لا عوض له؛ فما مضى منه لا يعود، وما انقضى لا يُستدرك، وما فات لا يُشترى بمال الدنيا كلها.
ولذلك لم يكن الحديث عن الوقت حديثًا عن الساعات والدقائق، وإنما هو حديث عن العمر، وعن الرسالة، وعن المصير، وعن ذلك السؤال الذي ينتظر كل إنسان بين يدي الله: "وعن عمره فيما أفناه".

وأول ما يطرح في الذهن:
هل الوقت جزء من الحياة أم هو شيء أوسع وأشمل؟
وللإجابة نقول:
الوقت ليس جزءًا من الحياة... بل هو وعاء الحياة كلها.
لأنه ما من نعمة تمر على الإنسان إلا وهي مرتبطة بالوقت؛ فالعلم يحتاج وقتًا، والعبادة تحتاج وقتًا، والإحسان يحتاج وقتًا، وتربية الأبناء تحتاج وقتًا، وإصلاح النفس يحتاج وقتًا. ولذلك كان الوقت هو الوعاء الذي تُحفظ فيه النعم أو تُهدر.

ثم يأتي سؤال آخر:
هل الوقت يقف مع أحد دون أحد؟
والجواب: أن الوقت لا يجامل أحدًا، ولا يميز بين غني وفقير، أو قوي وضعيف، بل يمضي في طريقه ثابتًا منتظمًا، وكأنه يقول لكل إنسان:
أنا رأس مالك الحقيقي، فانظر ماذا ستصنع بي قبل أن أرحل عنك.
فنحن جميعًا ـ وإن تفاوتنا في الطاقات والقدرات والإمكانات والمواهب ـ نتساوى في المدة الزمنية؛ فجميعنا نملك الأربع والعشرين ساعة نفسها كل يوم.
هذه الساعات تمر بانتظام دون تأخير أو تقديم، ولا يمكن إيقافها أو تراكمها أو إلغاؤها، فهي الثروة الوحيدة التي يتساوى فيها الجميع: الكبير والصغير، والغني والفقير.
وأنت أيها الإنسان تحتاج إلى التوفيق في إنفاق الوقت واستثماره؛ فإذا رُزق العبد حسن استثمار عمره استطاع أن يطيل أثر حياته بعد موته، فيحيا وهو في قبره، ويؤدي رسالته وهو تحت التراب.
وقد قال رسول الله ﷺ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ".
إذن فأنت تحتاج أن تفعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.
فانتبه واستثمر ما تملكه من ساعات، واصنع لنفسك حياةً بعد الموت.

ولهذا كان أهل المعرفة بالله لا ينظرون إلى الوقت على أنه ساعات تُقضى، بل يرونه رسائل من الله تتنزل عليهم؛ فكل صباح منحة جديدة، وكل يوم فرصة متجددة، وكل لحظة باب مفتوح للتوبة أو الذكر أو الخير.
وإذا كانت الأرض تُقاس مسافاتها بالأميال، فإن الطريق إلى الله يُقاس باللحظات الصادقة؛ فقد ترفع دقيقة من الإخلاص صاحبها درجات لا يبلغها غيره في سنوات طويلة، وقد يفتح الله لعبد في لحظة إنابة ما لا يفتحه له في أعوام من الغفلة.
لذلك ليست قيمة الوقت في طوله، وإنما في البركة التي يضعها الله فيه؛ فقد يعيش إنسان سنوات كثيرة قليلة الأثر، ويعيش آخر عمرًا أقصر، لكن الله يبارك له في وقته، فيترك علمًا نافعًا، أو عملًا صالحًا، أو أثرًا باقيًا، فيبقى حيًا بين الناس بعد موته.

وقد أحسن الإمام ابن عطاء الله السكندري حين قال:
(رُبَّ عُمُرٍ اتَّسَعَتْ آمَادُهُ وَقَلَّتْ أَمْدَادُهُ، وَرُبَّ عُمُرٍ قَلِيلَةٌ آمَادُهُ كَثِيرَةٌ أَمْدَادُهُ، وَمَنْ بُورِكَ لَهُ فِي عُمُرِهِ أَدْرَكَ فِي يَسِيرٍ مِنَ الزَّمَنِ مِنَ الْمِنَنِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ دَائِرَةِ الْعِبَارَةِ، وَلَا تَلْحَقُهُ وَمْضَةُ الْإِشَارَةِ).
ومن أعظم ما يوقظ القلب إلى قيمة العمر قول النبي ﷺ:
"لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ...... وَعَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ".

وتأمل هذا السؤال المهيب:
"وعن عمره فيما أفناه".
لم يقل: كم سنة عشت؟ ولا كم بلغت من العمر؟ وإنما قال: فيما أفنيته؟
فالقضية ليست في طول العمر، وإنما في حقيقة ما امتلأت به أيامه ولياليه.
إن العمر هو أغلى ما يملكه الإنسان؛ لأنه رأس المال الوحيد الذي إذا ذهب لا يعود. المال إذا ضاع قد يُكتسب من جديد، والصحة إذا ذهبت قد يعود بعضها، أما الدقيقة التي انقضت فقد رحلت إلى الأبد، وحُفظت في صحيفة الأعمال.
وفي هذا السؤال إشعار لطيف بأن العمر أمانة أودعها الله بين يدي الإنسان، وسيأتي يوم يُسأل فيه: ماذا صنعت بهذه الأمانة؟ وكيف أنفقت هذا الكنز؟
فكل صباح هدية جديدة من الله، وكل يوم يمضي صفحة تُرفع إلى السماء، إما شاهدة لك أو شاهدة عليك.
وحين يقف العبد بين يدي الله يوم القيامة، لن يتمنى زيادة مال ولا جاه، وإنما يتمنى لحظة واحدة يسبح فيها ربه، أو يستغفره، أو ينفع بها عبدًا من عباده.

فيا صديقي العزيز...
إن الأيام لا تمضي من أعمارنا فحسب، بل تمضي بنا نحن إلى الله، وكل شروق شمس يعلن بداية مرحلة جديدة من الرحلة، وكل غروب شمس يطوي صفحة من صفحات العمر لن تعود أبدًا.
فلا تجعل ساعاتك مجرد زمن يُستهلك، بل اجعلها جسورًا تعبر بك إلى رضوان الله. ازرع في كل يوم ذكرًا، وفي كل مجلس خيرًا، وفي كل عمل إخلاصًا، وفي كل لحظة أثرًا طيبًا يبقى بعد رحيلك.
واعلم أن البركة ليست في كثرة السنين، وإنما في حسن استثمارها، وأن السعيد من ملأ صحيفته بما يسره أن يلقاه غدًا بين يدي مولاه.
فاللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا، واجعل ساعاتنا عامرة بطاعتك، وأيامنا مملوءة بذكرك، وأعمالنا ممتدة الأثر بعد رحيلنا، حتى نلقاك وقد أحسنا إنفاق أغلى ما وهبتنا: العمر والوقت.

تم نسخ الرابط