عاجل

شهدت أمس نقابة الصحفيين بالقاهرة، بقاعة حسنين هيكل في أولى الفعاليات الثقافية لـ"شعبة السياحة والآثار"، ندوة استثنائية لعالم المصريات القدير ووزير الآثار الأسبق الدكتور زاهي حواس تحت عنوان "حملة استرداد الآثار المصرية المهربة إلى الخارج بين حلم العودة وتنشيط السياحة". ولم تكن هذه الفعالية مجرد محاضرة أكاديمية عادية، بل تحولت إلى منصة لإطلاق صرخة وطنية وقومية تهدف إلى حماية الهوية المصرية واستعادة كنوز الأجداد المنهوبة عبر العصور.

جوهر المبادرة وحتمية التصويت الإلكتروني

حواس حارس الحضارة وحفيد المصريين القدماء يقلب الطاولة على المتاحف الغربية من نقابة الصحفيين؛ طالما عُرف عالم المصريات الدكتور زاهي حواس دوليًا بلقب "حامي الأهرامات" و"حارس الحضارة"؛ نظرًا لعقود قضاها كخط دفاع أول لحماية تاريخ مصر ومواجهة والتصدي لسرقة تراثها.

ومن قلب النقابة، يقود منعطفًا تاريخيًا بملف استرداد التراث، معلنًا الانتقال من الدبلوماسية الهادئة إلى المواجهة الشاملة عبر تدشين "الحملة الشعبية الدولية لجمع مليون توقيع إلكتروني" لانتزاع رأس نفرتيتي وحجر رشيد من المتاحف الغربية المتعنتة بالخارج.

كلمة النقيب وتكريم مستحق برسالة دعم وتأييد

افتتح نقيب الصحفيين الندوة رسميًا معلنًا أن استضافة القامة العلمية والوطنية الدكتور زاهي حواس تُمثل إضافة نوعية بالغة الأهمية لأعمال النقابة. وأكد البلشي في كلمته أن النقابة لن تقف في مقاعد المتفرجين، بل تتبنى هذا الملف كقضية أمن قومي وثقافي تمس كرامة الهوية المصرية. وأشاد النقيب بجهود "شعبة السياحة والآثار" بالنقابة لفتحها هذا الملف الشائك في أولى فعالياتها الرسمية.

كما قام النقيب، رفقة أعضاء المجلس كل من: أ. أحمد عثمان رئيس الشعبة، أ. عادل الألفي نائب رئيس الشعبة، أ. محمد طاهر وكيل الشعبة، أ. محمد لطفي أمين الصندوق، والأستاذة شيرين الكردي رئيس العضوية والنشاط، بمنح الدكتور زاهي حواس درع النقابة تقديرًا لنضاله المستمر لاستعادة التراث المنهوب بالخارج.

استرداد الآثار كمعركة وجودية وقضية قومية

أكد الدكتور زاهي حواس في كلمته التي اتسمت بالقوة والوضوح، أن ملف استرداد الآثار المصرية ليس رفاهية، بل هو قضية قومية ومعركة وطنية لحماية الهوية. وأشار إلى أن الآثار المصرية تعرضت لعمليات نهب ممنهجة وواسعة النطاق، لاسيما خلال فترات الاحتلال المختلفة التي مرت بها البلاد.

كما أوضح حواس الدعم السياسي الكبير لهذا الملف، لافتًا إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه الحكومة ثلاث مرات بمتابعة ملف استرداد الآثار، مما يعكس اهتمام الدولة البالغ بإعادة هذا التراث التاريخي إلى موطنه الأصلي.

تحديات وتحركات مروعة لرفض الغرب

بأسلوبه الجريء والمعتاد، توعد حواس الدول والمتاحف الغربية التي ترفض الاستجابة للمطالب المصرية المشروعة بإعادة القطع الأثرية البارزة، مصرحًا بعبارات حاسمة تؤكد عزمه الاستمرار في الضغط الدولي وصنع ضغوط إعلامية مستمرة حتى "يجعل حياتهم ظلمة" إذا استمروا في التعنت ورفض إعادة قطع نادرة ومسروقة.

ودعا حواس في هذا الصدد جموع الشعب المصري والتجمعات الدولية للتوقيع على العريضة الشعبية لاسترداد الآثار، مشيرًا إلى أهمية تفعيل الدبلوماسية الشعبية بجانب الجهود الرسمية لتشكل قوة ضغط حقيقية أمام الجهات الدولية.

التأثير الاقتصادي والسياحي لحلم العودة

لم يغفل اللقاء مناقشة الأبعاد الاقتصادية؛ حيث جرى استعراض التأثير الإيجابي المباشر الذي يمكن أن تحدثه عودة هذه القطع البارزة (مثل حجر رشيد ورأس نفرتيتي وغيرها) على تنشيط حركة السياحة الثقافية في مصر. وأكد المشاركون في الندوة أن وجود هذه الأيقونات التاريخية داخل المتاحف المصرية سيسهم في زيادة الاهتمام العالمي بالحضارة المصرية القديمة وجذب ملايين السياح مجددًا إلى مهد الحضارة.

تميزت الندوة بحضور حاشد وزخم جماهيري كبير؛ إذ شهدت حضورًا لافتًا لعدد من الإعلاميين، والكتاب، والباحثين المتخصصين، إلى جانب الشخصيات العامة المهتمين بالشأن الأثري، وبعض الفنانين منهم الفنانة والإعلامية لقاء سويدان التي كان لها مداخلة ثرية.

الحق الحصري لـ "البراند" المصري

إن "الحضارة المصرية القديمة" هي بمثابة علامة تجارية وحضارية مسجلة ومملوكة تاريخيًا للشعب المصري. وبناءً عليه، يجب تفعيل المعاهدات والمواثيق الدولية التي تحافظ لنا على إرثنا وهويتنا (مثل اتفاقيات الويبو WIPO المنظمة العالمية لحماية الملكية الفكرية) التي تمت لحماية المعارف التقليدية للشعوب، نناشدها بالمساندة والدعم لوضع إطار قانوني يتصدى لكل من ينتهك حضارتنا المصرية القديمة أو استخدام الرموز، والخط الهيروغليفي، والتصاميم المعمارية الفرعونية، وأيضًا المنتجات التجارية العالمية أو العروض الفنية ضرورة وجود عائد مالي يعود لصالح صيانة الآثار في مصر.

هو أمر طبيعي وشرعي تمامًا، فهذا الحق ينبع من كوننا "أصحاب علم المصريات" ومنشئيه، ونحن الأوصياء الشرعيون على هذا الإرث الفكري والمعرفي؛ وبالتالي فإن أي استغلال تجاري له خارج نطاق البحث العلمي الأكاديمي الصرف يجب أن يخضع لموافقة مصر وعائدها المالي، أسوة بالشركات والمؤسسات المعاصرة التي تحمي براءات اختراعها وعلاماتها التجارية لسنوات طويلة، فكيف بحضارة حية ألهمت البشرية لآلاف السنين بجميع المجالات: طب، هندسة، فلك؟

كذلك ضرورة سد الثغرات التشريعية؛ كما دعا حواس البرلمان المصري والجهات التشريعية إلى ضرورة صياغة قانون محلي صارم لحماية الملكية الفكرية للآثار المصرية، ليصبح مظلة قانونية قوية تُجبر المحاكم الدولية على الاعتراف بحق مصر في مقاضاة أي مؤسسة تتربح من الرموز المصرية دون وجه حق.

خرجت الندوة برسالة واضحة

الآثار المصرية تنتمي إلى الأرض التي نبتت منها، وحملة استردادها لن تتوقف حتى يعود كل رمز أثري سُلب من ذاكرة ووجدان هذا الوطن.

ونؤكد أيضًا على ذلك: "إن الآثار المصرية المعروضة في كبريات المتاحف العالمية تمثل رأس مال حضاري وإنساني مملوك للشعب المصري وحده؛ وإذا كانت تلك المؤسسات الدولية تحقق أرباحاً طائلة ومكاسب مالية وتجارية مباشرة عبر بطاقات الدخول، وبيع الهدايا والتذكارات، والأنشطة التسويقية المستندة حصرياً على عبقرية أجدادنا، إن قيام المتاحف الغربية بصناعة مستنسخات مطابقة للأصل لقطعنا النادرة (مثل قناع توت عنخ آمون) وبيعها بملايين الدولارات هو تربح غير مشروع؛ ويجب إجبارها على دفع حقوق الملكية الفكرية لصالح صيانة وترميم الآثار في مصر.

فإن العدالة الإنسانية والقانونية تفرض اليوم صيغة 'العائد التشاركي العادل'، إننا لا نطالب بالاسترداد الجغرافي للقطع فقط، بل نطالب بحق مصر المشروع في التشارك والتقاسم الإلزامي لتلك العوائد الاقتصادية الضخمة طالما بقيت هذه الآثار في الخارج. إن هذا العائد يمثل تعويضاً رمزياً وحقاً أصيلاً يُوجه لتمويل عمليات التنقيب، وترميم الآثار داخل مصر، وتطوير المتاحف الوطنية لخدمة التراث العالمي الإنساني".

تم نسخ الرابط