عاجل

لا يزال السؤال مستمرًا حول من يرسم مستقبل المنطقة، خاصة مع الحديث عن قرب التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الجانب الأمريكي والإيراني. وهناك عدة سيناريوهات كانت مطروحة قبل هذه الحرب؛ أولها: السيناريو الصهيوني الإسرائيلي الذي كان يتطلع إلى تكرار سيناريو العراق، وإسقاط رموز الحكم في طهران، وإحداث الفوضى داخل إيران تمهيدًا للسيطرة على برنامجها النووي وإضعافها، وقطع الأيادي الإيرانية المتمثلة في حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. ويسعى هذا السيناريو الصهيوني إلى أن تصبح إسرائيل هي القوة المهيمنة على المنطقة، وتستولي على أراضٍ من جنوب لبنان وعلى غزة والضفة، والتهجير القسري للفلسطينيين وإنهاء القضية الفلسطينية تمامًا، ونشر الديانة الإبراهيمية، وخضوع دول المنطقة للنفوذ الإسرائيلي، وهو سيناريو مستمر منذ سنوات ولم ولن يتوقف إلا بمواجهته.

ولهذا يأتي في مواجهة هذا السيناريو تحركات مصرية مهمة وطرح أفكار مصرية تركية حاليًا تتمثل في تقوية دور الآلية الرباعية التي تضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، حيث سيعقد الاجتماع الرابع لتلك الآلية في مصر خلال الأيام القادمة. والمعروف أن هذه الآلية بدأت عملها مؤخرًا في إطار تشاوري بين الدول الأربع، وتطورت إلى آلية مهمة باجتماعات دورية لوزراء الخارجية للدول الأربع، حيث تم التشاور حول الترتيبات الأمنية المستقبلية والتصورات لمستقبل المنطقة، وينبثق من هذه الآلية مجموعات عمل واجتماعات لخبراء والتشاور حول التعاون المستقبلي بين الدول الأربع.

وتهدف تلك الآلية الرباعية، بحسب ما ذكره لي مصدر دبلوماسي مطلع، إلى إيجاد تحالف إقليمي يضم مصر، والسعودية، وتركيا، وباكستان، ويهدف إلى احتواء التوترات وخفض التصعيد في المنطقة، وستستضيف القاهرة الاجتماع الرابع لهذه الدول لتوحيد الرؤى الدبلوماسية وتجنب اتساع نطاق الصراع. ويعد أبرز أهداف الآلية الرباعية هو خفض التصعيد، العمل على احتواء الأزمات الإقليمية وتحديدًا التداعيات الجيوسياسية والأمنية للصراع، وكذلك دعم التفاهمات الدولية (بما في ذلك المسار التفاوضي بين واشنطن وإيران) لإرساء الاستقرار، وأيضًا التنسيق المشترك بين الدول الأربع وعقد اجتماعات دورية على مستوى وزراء الخارجية والفنيين لتوحيد المواقف وحماية المصالح الإقليمية المشتركة.

وكانت تركيا قد طرحت أفكارًا مهمة ردًا على الضغوط الأمريكية لفرض الاتفاقيات الإبراهيمية على دول المنطقة، حيث اقترح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بإيجاد بنية أمنية إقليمية من باكستان إلى الخليج، تضم تركيا والسعودية ومصر ودول الخليج، وقد تنضم إليها إيران وإسرائيل لاحقًا بشرط اعتراف تل أبيب بدولة فلسطينية على حدود 1967. وكشف وزير الخارجية التركي عن تصور تركي لبنية أمنية إقليمية تمتد من باكستان إلى الخليج، وتضم تركيا والسعودية ومصر وعددًا من دول الخليج، مع إمكانية انضمام إيران لاحقًا، مشيرًا إلى أن الاحتلال قد يجد مكانًا داخل هذا التحالف إذا اعترف بدولة فلسطينية على حدود عام 1967، معتبرًا أن أمنه سيحظى حينها بدعم دول المنطقة.

وقال فيدان إن عودة العلاقات مع تل أبيب أو انضمام تركيا إلى اتفاقات أبراهام يظل مرهونًا بوقف قتل الفلسطينيين، ورفع القيود المفروضة على وصول سكان غزة إلى الغذاء والمأوى والدواء والمياه، مؤكدًا أن أنقرة لا تمانع العودة إلى العلاقات الطبيعية إذا تحققت هذه الشروط، لكنها تتمسك بحل الدولتين أساسًا لأي تسوية.

سيناريوهات المستقبل

وبالتالي فلدينا على الطاولة حاليًا عدة تصورات حول مستقبل الشرق الأوسط بعد المواجهات المباشرة بين الولايات المتحدة، وإسرائيل، وإيران، حيث تشهد المنطقة إعادة ترتيب جذرية لموازين القوى وتتجه نحو التسويات الدبلوماسية لاحتواء تداعيات الصراع، خاصة وأن الصمود الإيراني واستخدام طهران لورقة إغلاق مضيق هرمز كان لهما تأثيرهما على الرؤية الاستراتيجية لمستقبل المنطقة. فالعصا الأمريكية أثبتت أنها ليست بالقوة التي يتوهمها البعض، وانكشف لبعض دول الخليج أن مظلة الحماية الأمريكية ليست متسعة بما يكفي لتضم الجميع، بل تضم في المقام الأول إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، وأنه من الأفضل للجميع العودة للتفاهمات الأمنية والاقتصادية مع إيران، حيث تجري واشنطن وطهران مباحثات ومراحل انتقالية لضبط التصعيد وإعادة فتح الممرات الملاحية مثل مضيق هرمز.

وبالتالي سيؤدي ذلك إلى حدوث تراجع لنفوذ المحاور التقليدية والتنسيق الأمريكي الخليجي الكامل، خاصة وأن الحرب تسببت في أضرار متباينة لاقتصادات الخليج أثرت على قطاعات رئيسية كالسياحة والعقارات. وستدفع تلك الهزات الأمنية دول الخليج نحو تسريع خطط الحماية الذاتية وتقليل الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الغربية لتأمين منشآتها، كما من المنتظر أن تنتقل منطقة الشرق الأوسط من حالة "المواجهة الشاملة المفتوحة" إلى "الاحتواء المشروط"، مع بروز لاعبين دوليين وإقليميين يسعون لملء الفراغ، مما سيجعل الشرق الأوسط ساحة لتوازنات دولية جديدة بعيدًا عن الهيمنة الأحادية.

ومن هنا يبرز أهمية الدور المصري ودور دول المنطقة والآلية الرباعية والتعاون بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان على غرار المثل "بيدي لا بيد عمرو"، بعد أن أظهرت تلك الحرب أن العصا الأمريكية توشك على الانكسار وفقدان هيبتها.

تم نسخ الرابط