هناك نوع من الناس .. كلما أراد تبرير سلوك خاطئ أو فكرة شاذة أو تجاوز أخلاقي رفع شعار "الحرية"، وكأن هذه الكلمة السحرية كفيلة بإسقاط كل ضابط وإلغاء كل قيمة وإبطال كل اعتراض. حتى أصبح المرء يتساءل: هل الحرية في نظر هؤلاء أن يفعل الإنسان ما يشاء ولو أضر بنفسه أو بغيره؟ وياتري هل معيار الضرر هو الإيذاء الجسدي فقط أم أن هناك أنواع أخري من الضرر يفعل عنها هؤلاء ؟ وهل الحضارات تبني على الانضباط أم على الفوضى؟
إن أخطر ما أصاب مفهوم الحرية في عصرنا الحالي أنه وقع في أيدي بعض الناس ممن لا يفرقون بين التحرر من الجهل والتحرر من الأخلاق، ولا بين مقاومة الأفكار الهدامة والتمرد على الدين والقيم والأخلاق. فاختلطت المفاهيم، وتبدلت الموازين، حتي صارت الإباحية تُقدَّم في ثوب الحرية عند بعض الناس، والفوضى تُسوَّق عندهم على أنها تقدم وتحضر وعلمانية تنويرية.!!
من هنا كان من الواجب كشف هذا الخلط، وبيان أن الحرية الحقيقية لا تعني غياب الضوابط، بل تعني الالتزام بها عن وعي واختيار، وأن الحرية المطلقة ليست إلا طريقًا مضمونًا إلى فساد مطلق.
ومما هو ملاحظ لكل ذي لب أن الحقيقة التي يحاول بعضهم تجاهلها هي أن الحرية ليست نقيض الضوابط، بل إن الضوابط هي التي تصنع للحرية معناها الحقيقي.
فكل حرية لا يحكمها عقل ولا أخلاق ولا قانون ولا دين تتحول إلى فوضى، وكل دعوة إلى حرية مطلقة ليست إلا دعوة إلى صراع الأهواء وغلبة الأقوى على الأضعف وانتصار الهمجية علي القانون وهذا ما يحاول بعضهم فعله.
لقد ظن بعض أدعياء الحرية أنهم سينجحون في التلاعب بالألفاظ دون أن برد عليهم أحد .. حتى خلطوا بين الحرية والإباحية، وبين الحقوق والانفلات، وبين الكرامة الإنسانية والتمرد على كل القيم والثوابت. فأصبح من يتمسك بأخلاقه عندهم متشددًا، ومن يحترم حدود الله رجعيًا، ومن يرفض الفوضى عدوًا للحرية! وصدق الله حيث قال "مالكم .. كيف تحكمون!!"
والحق أن مايسميه بعضهم بالحرية المطلقة دون حدود لم ولن توجد يومًا في أي مجتمع سوي يحترم دينه وأخلاقه لأنها لو وجدت لأفسدت الحياة كلها. فالحرية التي لا تعرف حدودا إنما هي همجية قبيحة تتزين بشعار وغطاء براق جميل اسمه الحرية.
ومن هنا كان لزامًا أن نعيد الأمور إلى نصابها، وأن نفرق بين الحرية التي تبني الإنسان والمجتمع، وبين الإباحية التي تهدمهما تحت شعارات براقة تخدع الأبصار ولا تصمد أمام العقل والشرع.
إذن فالحرية ليست نقيض الضوابط، بل الضوابط هي التي تمنح الحرية معناها الحقيقي. فكل حرية لا يحكمها عقل ولا أخلاق ولا قانون ولا دين تتحول إلى فوضى، وكل دعوة إلى حرية مطلقة ليست إلا دعوة إلى صراع الأهواء وغلبة الأقوى على الأضعف.
ولعل ما تفخر به كمسلمين أن الاسلام منذ أكثر من ١٤ قران من الزمان قرر مبدأ الحرية في أسمى صورها، فقرن الحرية بالمسؤولية والانضباط. فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. فليس كل ما يريده الإنسان حقًّا، وليس كل ما يشتهيه مباحًا، وإنما تُوزن الأقوال والأفعال بميزان الشرع والعقل والمصلحة.
وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في بيان أن الحرية لا تكون على حساب الآخرين، فقال: «مثلُ القائمِ على حدودِ اللهِ والواقعِ فيها كمثلِ قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضُهم أعلاها، وبعضُهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا». وهذا الحديث أصل عظيم في أن المجتمع لا يقوم إلا على احترام الضوابط التي تحفظ الحقوق وتصون القيم.
ومن هنا فإن الدعوات التي يطلقها بعض أدعياء الحرية ممن لا يفرقون بين الحرية والإباحية، ولا بين الحقوق والاعتداءات، هي دعوات جاهلة بحقيقة الإنسان وحقيقة المجتمع. وكثير من أصحاب هذه الطروحات يعانون اضطرابًا فكريًّا أو هزائم نفسية دفعتهم إلى التمرد على كل ثابت، حتى ظنوا أن مخالفة الدين والأخلاق نوع من التحرر والتقدم. ونحن لا نشمت بأحد ولا نحتقر أحدًا، بل ندعو لهم بالهداية والرشاد، ونرد على أقوالهم بالحجة والبرهان والدليل الصحيح والقول الصريح.
إن الحرية الحقيقية ليست أن يكون الإنسان عبدًا لشهوته، بل أن يكون سيدًا عليها. وليست أن يفلت من كل قيد، بل أن يلتزم بالحق عن بصيرة واختيار. وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فعبودية الهوى ليست حرية، وإنما هي أسوأ أنواع الاستعباد.
ختامًا، فإن بعض الناس قد يحتاج إلى تصحيح مفهوم الحرية عنده، وردّه إلى معناه الراشد الذي يجمع بين الكرامة والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات، وبين الانطلاق والانضباط. فحيث وُجدت الضوابط وُجدت الحرية النافعة، وحيث غابت الضوابط حضرت الفوضى والهمجية، وخير قاعدة ضابطة لحياة كل شخص وجبة أن يتعلم هل كل شخص ليفهم بدا المعني المنضبط كلمة الحرية تلك القاعدة الأصولية التي تقول: (إن كل حق يقابله واجب).