عاجل

ليست الأمم سواء في حسابها للأيام، وإن تشابهت في عدِّها؛ فإن اليومَ الواحدَ قد يكونُ عند أمةٍ رقماً يُضاف إلى دفترِ الإنتاج، وقد يكونُ عند أخرى مرحلةً في طريقِ الخلاص، وقد يكون عند ثالثةٍ مجرد فراغٍ زمنيٍّ تتقاذفه الرغبات والمصالح، فالزمانُ - وإن بدا في ظاهره واحداً- فليس كذلك في حقيقته الإنسانية؛ إذْ لا يتحدد بمعيار الحركة الفلكية وحدَها، وإنما يتحددُ أيضاً بمعيار المعنى الذي يسكبه الإنسان فيه.

ولذلك لم يكن التقويمُ في تاريخ البشر آلةً بريئةً لضبط المواقيت، بل كان مرآةً تعكسُ صورة الإنسان عن نفسهِ، وعن العالم الذي يسكُنُه، وعن الغايةِ التي يسعى إليها، فالأمةُ التي تجعلُ الزمنَ مادةً للاستهلاكِ تُنشئ تقويماً يخدمُ السوق؛ والأمةُ التي ترى الوجودَ أمانةً، وترى الإنسانَ مُسْتَخْلَفاً فيه؛ لا تنظر إلى الزمنِ على أنه ملكٌ تتصرف فيه، بل عهدٌ تُسأل عنه.

ومن هنا تظهر فرادة التقويم الهجري، فهو ليس انتقالاً من حسابٍ شمسيٍّ إلى حسابٍ قمريٍّ، كما يتوهم من يقف عندَ ظواهرِ الأشياء؛ وإنما هو انتقالٌ من "الزمن الأداتيّ" إلى "الزمن الائتمانيّ".

فالزمن الأداتيُّ هو الزمن الذي يقيسُ قيمة الإنسان بمقدارِ ما يُنتج فيه، ويجعلُ الدقيقةَ وِحدةً اقتصاديةً، والساعةَ رأسمالاً، والعمرَ مشروعاً استثمارياً، حتى يغدو الإنسانُ خادماً لما ظن أنه يملكه.

أما الزمنُ الائتمانيُّ فهو الزمنُ الذي يُذكِّر الإنسانَ بأن كل لحظة مودعةٌ بين يديه، وأنه مسؤولٌ عنها قبل أن يكون متصرفاً فيها، وأن السؤال الأول ليس: ماذا ربحت من وقتك؟ بل: ماذا صنعت بنفسك في وقتك؟

ولذلك جاء القرآن الكريم لا ليخبرنَا بعدد الشهور فحسب، وإنما ليعيد الزمن إلى مصدره الأول، فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [سورة التوبة: 36]؛ فجعل مبدأ الحساب سابقاً على تدبير الإنسان، حتى لا يتوهم الإنسان أنه سيدُ الزمان، وهو في الحقيقة أحد عابريه.

إن الحضارةَ الحديثةَ علّمت الإنسانَ أن يقول: "وقتي ملكي"، بينما يعلّمه الوحي أن يقول: "وقتي أمانتي"، وبين الملكية والأمانة ينتقلُ الإنسانُ من التسلطِ إلى المسؤولية، ومن الاستهلاك إلى الشهود، ومن حساب الأرباح إلى محاسبة النفس.

ولعل أعجبَ ما في التقويمِ الهجريِّ أنه أبقى أسماء الشهور كما ورثها العرب، ثم حررها من أسر الطبيعة، فقد سُمِّي رمضان لحرِّ الرمضاء، وجمادى لجمود الماء، وربيع لاعتدال الفصل؛ ثم دار الزمن، فجاء رمضان في الشتاء، وجاءت جمادى في القيظ، وجاء الربيع في غير الربيع.

وهنا تتجلى حكمةٌ دقيقة؛ فإن الإسلام لم يُبقِ على الأسماء محافظةً على الماضي، ولم يغيِّرها قطيعةً معه، وإنما نقلها من دلالة الحس إلى دلالة المعنى.

فلم تعد الرمضاء حرارةَ الرمل، بل حرارةَ المجاهدةِ التي تحرقُ فضولَ الشهوات؛ ولم يعد الجمودُ جمودَ الماء، بل جمود القلب الذي ينتظر دفءَ الذكر؛ ولم يعد الربيع فصل الأرض وحدها، بل ربيع الأرواح إذا أقبلت على ربها.

ومن ثَمَّ، فإن دوران الأشهر بين الفصول ليس مجرد ظاهرة فلكية، بل هو احتجاجٌ عملي على كل محاولة لتأبيد الامتيازات البشرية؛ لأن العبادة إذا استقرت في فصلٍ واحد، استقرت معها مشقتها على قوم دون قوم، ويسرها على آخرين دون آخرين، أما حين يدور رمضان على الناس جميعاً، فإن الزمن يتحول إلى معلمٍ للعدل؛ يذيق الجميع من الشدة والرخاء، ومن الطول والقصر، حتى لا يحتكر أحدٌ فضل الظروف ولا يتذرع أحدٌ بقسوة الواقع.

ولما أبطل الإسلام النسيء، لم يكن يبطل حيلةً حسابية فحسب؛ بل كان يبطل نزوع الإنسان إلى إخضاع الزمن لأهوائه، فالنسيء في جوهره إعلانٌ عن رغبة الإنسان في أن يجعل العالم تابعاً لمصالحه، أما تحريمه فإعادةٌ للإنسان إلى مقام العبودية؛ أي إلى الاعتراف بأن النظام الكوني ليس موضوعاً للتلاعب، وإنما ميدانٌ للتأدب مع حكمة الخالق.

ثم إن الصحابةَ -رضوان الله عليهم- حين أرادوا أن يجعلوا للمسلمين مبدأً يؤرخون به، لم يختاروا يوم الميلاد الأنور، لأن الإنسان لا فضل له في مولده؛ ولم يختاروا يوم الانتقال، لأن الموت نهايةٌ مشتركة؛ ولم يختاروا يوم النصر، لأن النصر قد يختلط بحظوظ النفس؛ وإنما اختاروا الهجرة.

وما الهجرةُ إلا إعلانٌ أن هوية الأمة لا تُبنى على ما يقع للإنسان قهراً، بل على ما يختاره وفاءً للمبدأ، فالتاريخ الإسلامي لم يبدأ بلحظة الميلاد، وإنما بدأ بلحظة التضحية؛ لأن الإنسان لا يُولد أخلاقياً يوم ميلاد جسده، وإنما يُولد أخلاقياً إذا ما قدَّم الحق على مألوفه، والرسالةَ على راحته، والأمانةَ على مصلحته.

ومن هنا، فإن كل هلال جديد ليس زيادةً فيما نملك من الزمن، بل نقصاناً فيما بقي لنا منه، فالناس يقولون: دخل عام جديد؛ وكأن الزمن دخل عليهم، والحق أن الذي دخل فيهم هو اقتراب الرحيل، وأن الذي خرج منهم هو قطعة من أعمارهم لا تعود،

إنَّا لنفرحُ بالأيامِ نقطعها                         وكلُّ يومٍ مضى يُدني من الأجلِ

 فالزمن ليس ما يمضي أمام الإنسان، بل ما يمضي منه.

وهذه هي الحكمة التي أرادها الإسلام من تأديب الإنسان بالشهور والأهلة: أن يتحول من كائنٍ يعدُّ الأيامَ إلى شاهدٍ عليها، ومن مستهلكٍ للوقتِ إلى مؤتمنٍ عليه، ومن سجينٍ للحظة إلى سالكٍ بها نحو الأبد.

فإذا رفعَ المؤمنُ بصره إلى الهلال، لم ينظر إلى جرمٍ يدورُ في فَلَكِهِ، وإنما ينظر إلى واعظٍ صامتٍ يقول له في كل شهر: إنك لا تعبرُ الزمان، وإنما الزمان يعبرك؛ فاختر أيَّ أثرٍ تريد أن يبقى منك إذا انقضى عبورك ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [سورة الغاشية: 25، 26].

تم نسخ الرابط