بعد سداد 6.1 مليار دولار.. كيف استعادت مصر ثقة شركات الطاقة العالمية؟|خاص
يمثل إعلان مصر سداد كامل مستحقات شركات البترول الأجنبية العاملة في قطاعي الزيت والغاز، بعد سنوات من تراكم المتأخرات التي بلغت نحو 6.1 مليار دولار، نقطة تحول مهمة في مسار قطاع الطاقة المصري، وخطوة تحمل أبعادًا اقتصادية واستثمارية تتجاوز مجرد تسوية مالية إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة وشركائها الدوليين.
ويؤكد خبراء أن إنهاء ملف المديونيات التاريخية يبعث برسالة طمأنة قوية للمستثمرين العالميين بشأن قدرة الدولة المصرية على الوفاء بالتزاماتها المالية، ويعزز من جاذبية قطاع البترول والغاز للاستثمارات الأجنبية، في وقت تتنافس فيه دول المنطقة على جذب رؤوس الأموال إلى مشروعات الطاقة والاستكشاف.
كما تأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الأهمية، بعدما شهد قطاع الغاز الطبيعي تحديات مرتبطة بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب على الطاقة، الأمر الذي دفع الدولة إلى تبني استراتيجية متكاملة تجمع بين سداد المتأخرات، وتحفيز الشركات الأجنبية على ضخ استثمارات جديدة، وتسريع عمليات البحث والتنمية لزيادة الإنتاج وتأمين احتياجات السوق المحلية.
وبينما يرى متخصصون أن تصفير المديونية يمثل شهادة ثقة جديدة للاقتصاد المصري، يطرح آخرون تساؤلات حول مدى قدرة هذه الخطوة على ترجمة الثقة المالية إلى زيادة فعلية في الاستثمارات والإنتاج، بما يعزز أمن الطاقة ويحد من الاعتماد على الواردات خلال السنوات المقبلة.
قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، إن مصر نجحت في الوفاء الكامل بالتزاماتها تجاه شركات البترول الأجنبية العاملة في قطاعي الغاز والزيت، تنفيذًا لما تم الاتفاق عليه منذ يونيو 2024، وصولًا إلى إعلان تصفير المديونية المستحقة لهذه الشركات، بعد أن كانت المتأخرات تقدر بنحو 6.1 مليار دولار.
رسالة قوية للأسواق العالمية ويعكس التزام الدولة المصرية بتعهداتها المالية
وأوضح عامر في تصريحات خاصة أن سداد المستحقات يمثل رسالة قوية للأسواق العالمية ويعكس التزام الدولة المصرية بتعهداتها المالية، واصفًا هذه الخطوة بأنها بمثابة "عيد كبير" لقطاع الطاقة والاستثمار، لما تحمله من دلالات إيجابية بشأن استقرار الاقتصاد المصري وقدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المستثمرين الأجانب.
وأضاف أن إنهاء ملف المتأخرات يعزز الثقة في مناخ الاستثمار المصري، ويؤكد أن مصر أصبحت بيئة آمنة وجاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية، خاصة في القطاعات الاستراتيجية، وفي مقدمتها البترول والغاز، مشيرًا إلى أن الشركات العالمية باتت أكثر اطمئنانًا على استثماراتها وأموالها داخل السوق المصرية.
أعمال التنمية والتطوير
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن قطاع البترول شهد خلال الفترة الأخيرة نشاطًا ملحوظًا في أعمال التنمية والتطوير، انعكس في زيادة معدلات الاكتشافات البترولية والغازية وضخ كميات جديدة من الإنتاج، لافتًا إلى أن الصحراء الغربية شهدت عددًا من الاكتشافات المهمة التي جاءت ثمرة لخطط واستثمارات جرى تنفيذها على مدار العامين الماضيين.
وأكد عامر أن مصر تمتلك مقومات قوية تجعلها من أبرز الوجهات الجاذبة للاستثمارات في قطاع الطاقة، بفضل ما تتمتع به من احتياطيات واعدة من الغاز الطبيعي والزيت الخام والثروات المعدنية، فضلًا عن البنية التحتية المتطورة والموقع الجغرافي المتميز.
وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة دخول المزيد من الشركات العالمية العاملة في مجالات التعدين والطاقة إلى السوق المصرية، بما يسهم في زيادة أعمال البحث والاستكشاف وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، ويدعم جهود الدولة لرفع معدلات الإنتاج وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.
أكد المهندس مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، أن مستحقات شركات النفط الأجنبية لدى الهيئة المصرية العامة للبترول تراكمت منذ عام 2022 لتصل إلى نحو 6 مليارات دولار.
الإنتاج من النفط والغاز الطبيعي
وأوضح يوسف، في تصريحات خاصة أن تراكم المتأخرات خلال عامي 2021 و2022 دفع معظم الشركات الأجنبية العاملة في قطاع البترول والغاز إلى تقليص أو تأجيل ضخ استثمارات جديدة في تنمية الحقول، الأمر الذي انعكس سلبًا على مستويات الإنتاج من النفط والغاز الطبيعي.
وأشار إلى أن الوضع شهد تحولًا خلال الفترة الأخيرة، في ظل تبني وزارة البترول والثروة المعدنية خطة تستهدف سداد المتأخرات المستحقة للشركات الأجنبية، بالتوازي مع تنفيذ برامج لزيادة الإنتاج النفطي والغازي.
خطة الحكومة
وأضاف أن الحكومة وضعت في أغسطس 2024 آلية تربط سداد المتأخرات بزيادة معدلات الإنتاج، بهدف ضمان استمرار الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة، وتشجيع الشركات العاملة على التوسع في أعمال البحث والاستكشاف والتنمية، بما يدعم إنتاج الغاز الطبيعي ويعزز أمن الطاقة.
وتابع يوسف أن هذه الخطوة جاءت بعد تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.6 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو مستوى لا يكفي لتلبية احتياجات الاستهلاك المحلي، ما دفع الدولة إلى استيراد ما بين 155 و160 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025 لتغطية الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
ولفت نائب رئيس هيئة البترول الأسبق إلى أن الشركات الأجنبية العاملة في مصر تتحمل تكاليف كبيرة في عمليات البحث والتنقيب وتنمية الحقول، وتحصل على مستحقاتها مقابل حصتها من الإنتاج الذي يتم بيعه لوزارة البترول بالدولار، وهو ما يؤدي إلى تراكم مستحقات مالية حال تأخر السداد.
وشدد على أن نجاح الحكومة في سداد مستحقات الشركاء الأجانب من شأنه أن يعزز ثقة المستثمرين في قطاع البترول المصري، ويحفز الشركات على تكثيف أعمال الاستكشاف والتنمية، بما يسهم في رفع إنتاج الغاز الطبيعي وتوفير الكميات اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، ويحد من احتمالات العودة إلى إجراءات تخفيف الأحمال التي شهدتها البلاد خلال فترات سابقة.