الأزهر يحذر: تكاليف الزواج الباهظة والانفتاح التكنولوجي يهددان تماسك الأسرة
أكد الدكتور رمضان الصاوي، نائب رئيس جامعة الأزهر، أن الأسرة تمثل اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ولذلك جاءت عناية الإسلام بها شاملة، فلم يجعل بناءها قاصرا على المؤمنين وحدهم، بل ارتضى للناس جميعا أن تقوم حياتهم الأسرية على الطهر والعفة والاستقرار، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، والخطاب هنا موجه إلى الناس كافة، بما يدل على عالمية هذا المنهج الرباني في تأسيس الأسرة، كما أن الإسلام أراد للأسرة أن تكون بيئة للسكن والمودة والرحمة، تحفظ الفطرة الإنسانية وتصون المجتمع من الانحراف والاضطراب.
مميزات المنهج الإسلامي في بناء الأسرة
وأوضح الصاوي، خلال ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: "حقوق الأسرة..رؤية إسلامية"، أن من أهم ما يميز المنهج الإسلامي في بناء الأسرة أنه منهج يقوم على الاعتدال ويرفض الغلو والتطرف، حتى في أمور العبادة، وهو ما يظهره ما روي أن ثلاثة نفر سألوا عن عبادة النبي ﷺ، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالّوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني"، وهذا الحديث يؤكد أن الزواج وتكوين الأسرة جزء أصيل من السنة النبوية، وأن الإسلام لا يعرف الرهبانية أو الانقطاع عن الحياة، بل يدعو إلى التوازن بين العبادة ومتطلبات الفطرة الإنسانية.
وأضاف نائب رئيس الجامعة أن نجاح الأسرة يبدأ من حسن الاختيار بين الزوجين، فالإسلام وضع معايير واضحة تضمن الاستقرار والتوافق، وجعل الدين والخلق أساسا لهذا الاختيار، قال النبي ﷺ: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه"، وقوله ﷺ: "تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" كما أن من دعائم الأسرة الناجحة الصدق والوضوح بين الطرفين، والبعد عن الغش والخداع وإخفاء العيوب المؤثرة، وأن تقوم الحياة الزوجية على المعاشرة بالمعروف والإحسان المتبادل، امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، حتى تصبح الأسرة واحة للأمن النفسي والاستقرار الاجتماعي.
وأشار الصاوي إلى أن الأسرة المسلمة تواجه في العصر الحاضر عددا من التحديات التي تتطلب وعيا وتعاونا من جميع أفراد المجتمع، وفي مقدمة هذه التحديات المغالاة في تكاليف الزواج ومتطلباته، الأمر الذي أدى إلى تضييق فرص الزواج أمام كثير من الشباب والفتيات، والشريعة الإسلامية قامت على التيسير لا التعسير، وأن النبي ﷺ كان يحث على تخفيف أعباء الزواج، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لرجل أراد الزواج: "التمس ولو خاتمًا من حديد" فلما لم يجد شيئا زوجه بما معه من القرآن الكريم، كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من النهي عن المغالاة في المهور، كما أن التفاخر بالمظاهر والتكاليف الباهظة أصبح سببا في تأخر الزواج وظهور كثير من المشكلات الاجتماعية،.
ومن التحديات كذلك كثرة المطالب المادية داخل الحياة الزوجية، وانشغال بعض الأزواج أو الزوجات بمقارنة ما لديهم بما عند الآخرين، وهو ما يفتح أبواب السخط ويضعف الرضا والقناعة، ويؤثر سلبت في استقرار الأسرة، في حين أن الإسلام دعا إلى شكر النعمة والنظر إلى ما يحقق الاستقرار الأسري، لا إلى المنافسة المرهقة في متاع الدنيا، وأن كثيرا من البيوت السعيدة قامت على الرضا والتفاهم أكثر مما قامت على وفرة الإمكانات المادية.
بالإضافة إلى أن الانفتاح التكنولوجي والثقافي المتسارع يمثل تحديا حقيقيًا للأسرة المعاصرة، خاصة مع انتقال بعض العادات والسلوكيات التي لا تتوافق مع القيم الدينية والأخلاقية للمجتمعات الإسلامية، ومواجهة هذه التحديات لا تكون بالمنع المطلق، وإنما ببناء الوعي وتعزيز الرقابة الذاتية وترسيخ القيم داخل البيت، إلى جانب غرس معاني البر والطاعة واحترام الوالدين في نفوس الأبناء، حتى تظل الأسرة قادرة على أداء رسالتها التربوية والحفاظ على هويتها واستقرارها.





