يثار أحياناً الاستدلال بقوله تعالى: {لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ۖ فَان فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} للقول بوجود مدة محددة تنتهي بعدها العلاقة الزوجية، أو يثبت للزوجة حق طلب التفريق بمجرد مرور أربعة أشهر من الغياب. غير أن هذا الاستدلال يحتاج إلى تدقيق؛ فالآية الكريمة تتناول حالة “الإيلاء” وهي حلف الزوج على الامتناع عن معاشرة زوجته، ولا تتناول كل صور الغياب أو السفر أو ظروف العمل.
كما أن جعل مدة زمنية جامدة سبباً كافياً للحكم بالتفريق قد يتعارض مع طبيعة العلاقات الأسرية واختلاف ظروف كل حالة على حدة. فقد يغيب الزوج لظروف عمل أو علاج أو سفر مع استمرار التواصل والإنفاق وعدم توافر نية الهجر أو الإضرار بزوجته، بينما قد تتوافر في حالات أخرى عناصر الضرر الحقيقي الموجب للتفريق.
لذلك فإن النهج الأكثر اتساقاً مع أحكام الشريعة والقانون هو بقاء سلطة القاضي في تقدير كل حالة وفق ظروفها وملابساتها، والتحقق من نية الزوج ومدى توافر الضرر الواقع على الزوجة أثناء تداول الدعوى، وبعد بذل مساعي الصلح بين الطرفين ومحاولة رأب الصدع بينهما.
فإذا ثبت للقاضي استمرار الهجر أو الغياب دون مبرر مقبول، أو قيام الزوج بترك زوجته بما يلحق بها ضرراً يستحيل معه دوام العشرة، جاز اعتبار ذلك من أسباب التطليق للضرر وفق الضوابط القانونية والقضائية المقررة، دون الحاجة إلى ربط الأمر بمدة زمنية محددة تُطبق على جميع الحالات دون تمييز. ولكن لا مانع من تقدمها بعد مرور الأربعة أشهر للقاضي لتتعرف على وضعها وموقف زوجها.
إن الحفاظ على الأسرة يقتضي الموازنة بين حق الزوجة في رفع الضرر عنها، وحق الزوج في عرض مبرراته وظروفه، وهو ما يتحقق من خلال رقابة القضاء وإجراءات الصلح والتحقيق، لا من خلال افتراض سوء النية أو انهيار العلاقة الزوجية بمجرد انقضاء مدة الأربع شهور.
ويتضمن هذا الطرح من باطنه نصيحة للزوج بعدم الهجر أو استحكام الخلاف أو الخصام؛ لأن الفراق مدة طويلة يحدث معه جفاء، وعملياً تطول المدة بعد هذا الانقطاع ويصل الأمر في النهاية إلى الطلاق. فحكمة الرجل واحتواؤه لأي خلاف واستيعابه الأمر يجعله يسلك طريقاً آخر غير الفراق أو الهجر، ويواجه أي خلاف أو مشكلة بشكل آخر بدون انقطاع للعلاقة الزوجية؛ لأن نتيجته وخيمة وتؤدي إلى إنهاء علاقة زوجية كان من المحتمل أنها تستمر وبنجاح.