عاجل

حينما نمر بشوارع العاصمة، كثيراً ما نرصد سلبيات وننتقد أشياء نراها، ولكن عندما نجد   اضافة حقيقية لوجه القاهرة الحضاري، يتوجب علينا الإشادة به وتسليط الضوء عليه. هذا ما شعرت به تماماً قبل أيام قليلة، عندما أتيحت لي الفرصة—ربما للمرة الأولى على الطبيعة—لمشاهدة ممشى الزمالك الجديد (المعروف بممشى كورنيش الجزيرة). وبصراحة شديدة، وجدت نفسي أمام عمل حضاري من الطراز الرفيع، ومتنفس صحي ومنظم بدرجة كبيرة جداً يعيد للمدينة بريقها التاريخي وسط مياه النيل الخالد.

هذا الصرح لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تجسيداً للمشروع القومي الضخم الذي أطلقته الدولة المصرية بتكليفات مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي تحت مسمى "ممشى أهل مصر". انطلقت فلسفة هذا المشروع بهدف تحسين جودة الحياة للمواطنين، وزيادة نصيب الفرد من المسطحات الخضراء والمساحات المفتوحة للتنزه، تماشياً مع خطط التطوير في كبرى العواصم العالمية التي تقع على أنهار ومجارٍ مائية.
تضمن المخطط الهندسي للمشروع عدة مراحل حيث بدأت المرحلة الأولى في المنطقة المحصورة بين كوبري 15 مايو وكوبري أكتوبر، وتوالت المراحل لتمتد من كوبري قصر النيل وصولاً إلى كوبري إمبابة وكوبري الساحل. ويمثل "ممشى الزمالك" امتداداً حيوياً متميزاً لهذه المنظومة، حيث تم تصميمه بمسارات متدرجة المناسيب (ممشى علوي وآخر سفلي ملاصق للمياه) لاستيعاب أكبر عدد من الزوار وتوفير زوايا رؤية ساحرة وقريبة من نهر النيل.

كنا نتخوف جميعاً في البداية من أن يتحول هذا المكان—بحكم موقعه الحيوي في قلب القاهرة—إلى بؤرة للزحام والتكدس المروري أو العشوائية التي طالما عانت منها بعض المتنزهات التقليدية. إلا أن ما شاهدته على أرض الواقع كان بعيداً تماماً عن تلك المخاوف؛ الممشى صرح حضاري  الدخول يتم عبر بوابات منظمة برسم رمزي يكاد يكون زهيداً ومتاحاً لجميع فئات المجتمع، مما يضمن في الوقت ذاته توفير عوائد لأعمال الصيانة والنظافة المستمرة.
ويشهد الممشى إقبالاً لافتاً ومتنوعاً؛ حيث تلتقي هناك العائلات المصرية، الأطفال، كبار السن، والسيدات، إلى جانب تدفق ملحوظ من السائحين العرب والأجانب الذين وجدوا فيه مكاناً آمناً وراقياً للتنزه والاستمتاع بأجواء القاهرة الساحرة.

أبرز ما يميز ممشى الزمالك هو الجانب الجمالي والثقافي المحيط به خلال  سيرك الهادئ وسط المياه، تجد نفسك محاطاً بأبرز معالم القاهرة التاريخية والمعمارية، مثل دار الأوبرا المصرية، برج القاهرة، وقصر الجزيرة الأثري، بالإضافة إلى القصور والمباني العريقة التي تزين ضفتي النهر. إنها لحظات فريدة تفوح بعبق التاريخ وتتجلى فيها عظمة مصر وحيويتها المعهودة. وحتى أماكن الترفيه والخدمات الملحقة بالممشى—من كافيهات ومطاعم ومناطق جلوس ومدرجات—تم توزيعها هندسياً بعناية فائقة ليرتادها الزوار بكل هدوء ورقي دون أي إزعاج.

ورغم هذا التميز، يبقى التحدي الأكبر في استدامة هذا المستوى من الطبيعي أن تظهر بعض السلوكيات الفردية الخاطئة من بعض المرتادين، وهو أمر يحدث في أي مكان، ولكن من الضروري تشديد المتابعة والمراقبة المستمرة للحفاظ على النظافة والهدوء والخصوصية التي تميز المكان.
هذا الممشى يعد إضافة حقيقية لجمال العاصمة، ولا يملك المرء أمام هذا الإنجاز إلا أن يتوجه بالشكر الجزيل للمهندسين المبتكرين الذين خططوا ونفذوا هذا المشروع، وللدولة والحكومة المصرية، ولمحافظة القاهرة على هذا الجهد المشرف الذي يعيد صياغة علاقة المصريين بنيلهم العظيم

تم نسخ الرابط