عاجل


في اليوم المئة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أجلس وأتأمل مشهداً يجمع بين الأمل والخوف في آنٍ واحد.. إيران أوقفت هجماتها على إسرائيل.. ترامب يعد بالاتفاق في يومين أو ثلاثة، والوسطاء الباكستانيون في طهران، والسفارة الأمريكية في إسرائيل رفعت أوامر الاحتماء عن موظفيها.

كل هذا يبدو وكأن السلام على الأبواب، لكن في الوقت ذاته الجيش الإسرائيلي يقصف الحي المسيحي التاريخي في مدينة صور، وإيران تهدد باستهداف المصالح الأمريكية بسبب التصعيد في لبنان، ونتنياهو يعلن أنه يمتنع حالياً عن ضرب إيران لكنه سيرد بقوة على أي هجوم.

حالياً تعني: الأمر مؤقت وقابل للانهيار في أي لحظة.. ما كشفته مكالمة ترامب ونتنياهو الأخيرة يستحق التأمل العميق.. ترامب حذّر نتنياهو صراحةً من أنه إن عاد لشن حرب شاملة على إيران فقد يجد نفسه يقاتل منفرداً، ووصفه في مقابلة علنية بأنه مجنون تماماً قبل أن يؤكد أن علاقتهما ممتازة، وأغلق الهاتف في وجه صحفي دولي حين سأله عما سيفعله إذا خالف نتنياهو إرادته.

هذا المشهد يكشف حقيقة واحدة: أمريكا تريد الاتفاق لكنها لا تستطيع إجبار إسرائيل عليه، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن القانون الدولي لا يعمل بمنطق المزاجية السياسية، فالمادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تنص صراحةً على أن كل اتفاق ملزم لأطرافه وعليهم تنفيذه بحسن نية، وأي وقف لإطلاق النار يبقى رهيناً بقرار شخص واحد في تل أبيب لا يمثل ضمانة قانونية بل مجازفة سياسية.

مئة يوم من الحرب علّمتنا درساً قاسياً.. الضربات العسكرية لم تُسقط النظام الإيراني ولم تُفكّك برنامجه النووي ولم تُنهِ نفوذه الإقليمي، ومضيق هرمز الذي كان مفتوحاً قبل الحرب تحوّل إلى بؤرة توتر دائمة، ومئة يوم من الدم والدمار أعادت الجميع لنقطة البداية لكن بخسائر أثقل وجراح أعمق وثقة مفقودة يصعب استعادتها.

وفي لبنان الصورة لا تختلف كثيراً فاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في الرابع من يونيو يتعثر في أول أسبوع من عمره، ومازالت إسرائيل تقصف صور وتستهدف الحي المسيحي وتضرب الجيش اللبناني النظامي بينما يفترض أن هذا الجيش هو الضامن لتنفيذ الاتفاق.

عبث حقيقي بكل المعايير القانونية والإنسانية.. ما أخشاه أن يتحول الاتفاق المرتقب مع إيران إلى نسخة أخرى من اتفاق لبنان، حبر على ورق ووعود لا تُنفَّذ وتصعيد ينتظر اللحظة المناسبة للانفجار من جديد.

القانون الدولي يوفر الحل. ليس كلاماً نظرياً، مجلس الأمن يملك صلاحية إصدار قرار ملزم تحت الفصل السابع يُنهي الحرب رسمياً ويفرض آليات رقابة حقيقية على الاتفاق مع عقوبات صارمة على أي خرق، و الوكالة الدولية للطاقة الذرية تملك آليات الرقابة النووية، ومحكمة العدل الدولية تملك صلاحية إصدار أوامر احترازية ملزمة.

لكن كل هذه الأدوات تحتاج إرادة سياسية دولية حقيقية لتفعيلها، وهي الغائب الأكبر حتى الآن.

في النهاية أقول بصراحة كاملة كمختص في القانون الدولي: مئة يوم أثبتت أن الحرب لا تحل ما عجزت عنه الدبلوماسية، وأن القوة العسكرية حتى أقوى قوة في العالم عاجزة عن فرض تسوية دائمة على شعوب قررت أن تقاوم، اي اتفاق قادم فرصة حقيقية، لكنها فرصة ستُهدر إذا لم يُبنَ على أسس قانونية صلبة وضمانات دولية حقيقية بدلاً من الاكتفاء بمكالمات هاتفية بين قادة يصف بعضهم بعضاً بالجنون علناً ويتفقون على السلام سراً.. العالم يستحق أفضل من ذلك.

تم نسخ الرابط