عاجل

لم يكن الجدل الذي أثارته واقعة مسرح كلية الحقوق بجامعة حلوان وما تبعها من تصريحات اعتبرت الفن محرمًا، ثم طلب الإحاطة المقدم بشأن فيلم "برشامة"، مجرد خلاف عابر حول عرض فني أو عمل سينمائي. فالقضية في جوهرها تتعلق بمعركة أعمق تدور منذ عقود بين مشروع يؤمن بالدولة الوطنية الحديثة، ومشروع آخر يرى المجتمع من زاوية ضيقة تختزل الإنسان في مجموعة من المحظورات والقيود.

مصر ليست دولة طارئة على الحضارة حتى تخشى من الفن أو تعتبره خطرًا على المجتمع. فمنذ آلاف السنين كانت المعابد المصرية القديمة تُزين بالنقوش والرسوم، وكانت الموسيقى والاحتفالات جزءًا من الحياة اليومية للمصريين. وعندما أصبحت القاهرة عاصمة للثقافة العربية، لم يكن ذلك بفضل الثروات الطبيعية أو القوة العسكرية فقط، بل بفضل ما أنتجته من فن وأدب ومسرح وسينما شكلت وجدان المنطقة بأكملها.

ولهذا فإن الحديث عن تحريم الفن أو ملاحقة الأعمال الفنية يثير قلقًا مشروعًا لدى قطاعات واسعة من المصريين. فالمجتمعات لا تتقدم بإغلاق النوافذ، وإنما بفتحها. والأمم لا تصنع مستقبلها بالخوف من الإبداع، بل بتشجيعه وتوجيهه وتطويره.

لقد خاض المصريون تجربة قاسية عندما حاولت بعض التيارات فرض وصايتها على المجتمع وتحديد ما يجب أن يقرأه المواطن أو يشاهده أو يسمعه. وكانت النتيجة حالة من الاستقطاب والرفض الشعبي انتهت بانتفاضة وطنية واسعة أكدت أن المصريين يتمسكون بهويتهم المدنية المعتدلة، ويرفضون اختطاف الدولة أو الثقافة أو الفن لحساب أي فكر متشدد.

ومن اللافت أن القضايا المتعلقة بالفن تعود إلى الواجهة في وقت يواجه فيه المواطن تحديات اقتصادية واجتماعية ضخمة. فالأولوية بالنسبة للمصري البسيط هي تحسين مستوى المعيشة وتطوير الخدمات وتوفير فرص العمل. أما تحويل النقاش العام إلى معارك حول فيلم أو عرض مسرحي فلن يسهم في حل أزمة، أو بناء مدرسة، أو توفير فرصة عمل لشاب يبحث عن مستقبله.

ولا يعني الدفاع عن الفن منح حصانة مطلقة لأي عمل إبداعي، فالفن مثل أي نشاط إنساني يخضع للنقد والتقييم والمحاسبة وفق القانون. لكن الفارق كبير بين النقد الموضوعي وبين محاولات المصادرة والمنع وفرض الوصاية الفكرية على المجتمع. فالدولة الحديثة لا تُبنى بالعقلية التي تصنف الإبداع باعتباره جريمة، وإنما بالعقلية التي تتيح حرية التفكير وتحترم التنوع.

إن الفن المصري لم يكن يومًا خصمًا للدين أو للقيم، بل كان أحد أهم أدوات نشر التسامح والانتماء والوعي الوطني. وقد ساهمت الأغنية والمسرحية والفيلم في ترسيخ قيم العمل والبطولة والتعايش أكثر مما فعلت عشرات الخطب والشعارات.

لذلك فإن الدفاع عن الفن اليوم ليس دفاعًا عن ممثل أو فيلم أو مسرحية، بل دفاع عن حق المجتمع في أن يفكر ويبدع ويحلم. إنها معركة تتعلق بهوية مصر نفسها؛ مصر التي اختارت عبر تاريخها أن تكون وطنًا للحضارة والتنوير لا ساحة للمصادرة والمنع.

ويبقى السؤال: إذا كان الفن هو الذي صنع صورة مصر في العالم، فمن الذي يستفيد من محوه؟

تم نسخ الرابط