لطالما شكلت أحكام المحكمة الدستورية العليا في مصر صوناً للسلم الاجتماعي، وحائط الصد المنيع لحماية الحقوق والحريات، والضابط لإيقاع التشريعات بما يضمن اتساقها مع المبادئ الدستورية العليا.
وفي سياق دورها التاريخي لحماية الأسرة المصرية ــ باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع وفقاً للمادة (10) من الدستور التي تنص على أن الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة على تماسكها واستقرارها، وترسيخ قيمها ــ يأتي قضاؤها حاسماً لقطع دابر التحايل والالتفاف على أحكام التشريع، وذلك عندما قضت المحكمة الدستورية العليا بجلستها المعقودة، يوم السبت 6/6/2026، برئاسة المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة، بعدم قبول الدعوى المقامة طعناً على نص الفقرة الثانية من المادة (5) من القانون رقم 68 لسنة 1947 بشأن التوثيق، المستبدل بها القانون رقم 103 لسنة 1976، في شأن شروط توثيق عقد زواج الأجنبي بمصر.
وتتجلى هذه الحماية في أبهى صورها بترسيخ حجية النصوص الخاصة المنظمة لزواج الأجانب بالمصريات، والتصدي لمحاولات الالتفاف القضائي كافة عبر "دعاوى إثبات الزوجية"؛ لتؤكد المحكمة مجدداً أن كرامة المواطن المصري ــ لا سيما المرأة ــ وحماية الطرف الأكثر احتياجاً للرعاية، هما مستهدفان أصيلان من مستهدفات النظام العام.
وتتبلور الأهمية الدستورية والقانونية لهذا الحكم في حسم النزاع القانوني حول "طريقة الإثبات"، ووضع حدٍّ قاطع للتنازع الظاهري بين القواعد العامة والخاصة؛ إذ دأب بعض المتقاضين على اللجوء إلى القضاء العادي (محاكم الأسرة) لإثبات الزواج العرفي بين أجنبي ومصرية، استناداً إلى القواعد العامة في قانون الأحوال الشخصية رقم (1) لسنة 2000، بهدف التملص من القيود والضوابط الصارمة التي قررها المشرع في القانون الخاص، بيد أن القضاء الدستوري المصري أرسى قاعدة أصولية ذهبية مفادها أن الخاص يقيد العام، ولا يجوز إهدار النص الخاص بذريعة إعمال القواعد العامة ما لم يلغه المشرع صراحة أو ضمناً.
وبناءً على هذا التأصيل، فإن قانون التوثيق ليس مجرد إجراءات تنظيمية مجردة، بل هو نص خاص آمر يتعلق بالنظام العام، وهو تكييف قانوني صارم يترتب عليه عدم جواز اتفاق الأطراف على مخالفته، مثلما يسلب القاضي العادي سلطة الحكم بإثبات الزواج ما لم تكن الشروط الموضوعية والشكلية التي حددها المشرع في قانون التوثيق قد استُوفيت كاملةً قبل الولوج إلى ساحة القضاء.
ولقد كانت الثغرة القانونية الأبرز تمثل ارتداداً لنشوء علاقة "زواج عرفي" بين الأجنبي والمصرية، يعقبها التوجه مباشرة إلى محكمة الأسرة لإقامة دعوى "إثبات زوجية" بهدف استصدار حكم قضائي يقوم مقام التوثيق الرسمي، ومن ثمَّ التهرب من الشروط والضمانات الصارمة التي تفرضها وزارة العدل عبر مكتب توثيق أحوال شخصية الأجانب، والتي تشمل تقديم شهادات رسمية صادرة من سفارة الزوج الأجنبي تفيد بموافقة دولته وعدم ممانعتها للزيجة، وإيداع شهادات استثمارية أو تأمينات مالية كافية تضمن الكفاية الاقتصادية والمالية للزوجة المصرية، فضلاً عن التحقق من اتساق فارق السن بين الطرفين بما ينفي شبهة الاستغلال أو الاتجار بالبشر.
وبموجب هذا القضاء الدستوري الحاسِم، أُغلق هذا الباب التماساً للمشروعية الزائفة، فأصبح لزاماً على عدالة المحكمة التي تنظر دعوى إثبات الزوجية أن تتأكد أولاً ــ ومن تلقاء نفسها ــ من توافر شروط قانون التوثيق، فإذا لم تكن متوفرة، تقضي برفض الدعوى، مما أدى إلى سد ثغرة التقاضي للحصول على مشروعية لزواج غير مستوفٍ للشروط.
إن القيمة الجوهرية لهذا الحكم التاريخي لا تقف عند حدود الصياغة القانونية الجافة، بل تمتد لتشكل سياجاً حمائياً واجتماعياً منيعاً للمرأة المصرية، وتحديداً الفئات الأكثر عرضة للاستغلال كالفتيات في المناطق الريفية أو الأسر الأكثر احتياجاً، حيث يواجه بصرامة ما يُعْرَف بـ "زواج الصفقة" أو الزواج السياحي المؤقت، ذلك السلوك المشين الذي ينتهي بانتهاء رحلة الأجنبي، تاركاً خلفه زوجة مكلومة بلا حقوق، وأطفالاً أبرياء بلا نسب.
ومن هنا، فإن إجبار الطرف الأجنبي على الخضوع للتوثيق الرسمي يضمن صون الحقوق اللصيقة بالشخصية وفي مقدمتها حقوق الميراث، والنفقة الشرعية، وثبوت النسب مستقبلاً، كما يضمن تفعيل الملاحقة القضائية العابرة للحدود عبر القنوات الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية والمعاملة بالمثل، بخلاف الزواج العرفي الذي كان ينتهي غالباً بالإنكار وضياع الحقوق خلف الحدود دون رادع.
ليؤكد حكم الدستورية العليا في النهاية انتصاراً مدوياً للمقاصد العليا للشريعة الإسلامية والدستور في حماية النسل والأعراض وصون كرامة المرأة، مانعاً تحويل منظومة الزواج المقدسة إلى صيغ عرفية مهترئة وغير مستقرة، ومعيداً للدولة هيبتها باعتبارها الرقيب الضامن والوحيد لجدية الروابط الأسرية واستمراريتها، محققاً التوازن الدقيق بين حرية التعاقد وحماية الأمن المجتمعي في مصر.