عاجل

متري الراهب: تراجع أعداد المسيحيين بالشرق الأوسط يهدد التنوع الحضاري

الدكتور القس متري
الدكتور القس متري الراهب

أكد الدكتور القس متري الراهب، مؤسس ورئيس جامعة دار الكلمة في بيت لحم التابعة للكنيسة الإنجيلية اللوثرية في فلسطين، أن التراجع المستمر في أعداد المسيحيين بالشرق الأوسط يمثل تحديًا حقيقيًا لمستقبل المنطقة بأسرها، مشددًا على أن القضية تتجاوز البعد الديني لتطال التنوع الحضاري والثقافي الذي تميزت به المنطقة عبر قرون طويلة.
جاء ذلك خلال استضافته في حلقة جديدة من برنامج “ضيوف” الذي يقدمه المطران إيليا طعمه، حيث تناول الحوار واقع الوجود المسيحي في الشرق الأوسط والتحديات التي تواجهه في ظل المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة.

تراجع مستمر في أعداد المسيحيين

وأوضح الراهب أن الشرق الأوسط شهد خلال العقود الماضية انخفاضًا ملحوظًا في نسبة المسيحيين مقارنة بما كانت عليه الأوضاع مطلع القرن العشرين، مشيرًا إلى أن تلك الفترة اتسمت بازدهار ملحوظ للمؤسسات المسيحية التي لعبت دورًا مهمًا في النهضة التعليمية والثقافية العربية.

وأضاف أن الكنائس والمدارس والأديرة المسيحية كانت تشكل جزءًا أساسيًا من البنية الاجتماعية في العديد من دول المنطقة، وأسهمت بشكل مباشر في تطوير التعليم والرعاية الاجتماعية والثقافية.

الهجرة ليست قضية دينية فقط

وأشار رئيس جامعة دار الكلمة إلى أن ظاهرة الهجرة لا يمكن اختزالها في البعد الديني وحده، موضحًا أن البحث عن فرص العمل والاستقرار السياسي والاقتصادي يشكل الدافع الأساسي لدى كثير من الشباب والعائلات.

وأضاف أن المنطقة عانت خلال القرنين الماضيين من صراعات متتالية وحروب وأزمات سياسية دفعت أعدادًا كبيرة من السكان، بمختلف انتماءاتهم، إلى البحث عن مستقبل أكثر استقرارًا خارج أوطانهم.
كما لفت إلى وجود عوامل ديموغرافية أخرى مؤثرة، من بينها انخفاض معدلات الإنجاب في بعض المجتمعات المسيحية، إضافة إلى شعور بعض المواطنين بعدم اكتمال المساواة أو المواطنة، الأمر الذي يسهم في اتخاذ قرار الهجرة لدى البعض.

ورفض الراهب الطروحات التي تصور العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في الشرق الأوسط باعتبارها علاقة صراع دائم، مؤكدًا أن هذا التصور لا يعكس الواقع التاريخي للمنطقة التي قامت على التعددية والتعايش بين مختلف مكوناتها الدينية والثقافية.

وأوضح أن خسارة الوجود المسيحي لا تمثل خسارة للمسيحيين وحدهم، بل للمجتمعات العربية كافة، لأن التنوع يعد عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمعات الحيوية والقادرة على التطور.

“أخاف على الشرق بدون المسيحيين”

واستطرد “ الراهب” قائلاً : أنا لا أخاف على المسيحيين في الشرق، ولكن أخاف على الشرق بدون المسيحيين ، موضحًا أن المسيحيين يشكلون جزءًا أصيلًا من تاريخ المنطقة وحضارتها، وكان لهم دور بارز في مجالات التعليم والثقافة والإبداع الفكري.
وأكد أن الحفاظ على هذا التنوع يعد ضرورة لمستقبل الشرق الأوسط واستقراره، مشددًا على أهمية ترسيخ قيم المواطنة الكاملة والعدالة والمساواة بين جميع المواطنين.

وتحدث الراهب عن مسيرته الشخصية، موضحًا أنه وُلد في مدينة بيت لحم ودرس اللاهوت في ألمانيا قبل أن يعود إلى فلسطين للخدمة في الكنيسة اللوثرية، حيث تزامنت بداية خدمته مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
وأشار إلى أنه خدم راعيًا لكنيسة الميلاد اللوثرية لمدة ثلاثين عامًا، كما أسس جامعة دار الكلمة في بيت لحم، التي تُعنى بالفنون والثقافة والتصميم وتُعد من المؤسسات الأكاديمية الرائدة في فلسطين.

توثيق الوجود المسيحي

وكشف الراهب أن جامعة دار الكلمة أولت اهتمامًا كبيرًا بتوثيق التاريخ الشفهي للمسيحيين في فلسطين، إلى جانب إعداد قواعد بيانات ودراسات متخصصة حول واقع الوجود المسيحي في فلسطين والشرق الأوسط.
وأضاف أن الجامعة أصدرت عددًا من الكتب والأبحاث المتخصصة باللغة الإنجليزية التي تتناول تاريخ المسيحية في المنطقة وتحولاتها الديموغرافية والاجتماعية، بهدف توفير مرجع علمي موثوق للباحثين والمهتمين بهذا الملف.

وفي ختام حديثه، أوضح الراهب أن بدايات القرن العشرين شهدت أولى موجات الهجرة الكبرى من بلاد الشام نحو أمريكا الجنوبية، لافتًا إلى أن العديد من الجاليات العربية الكبيرة الموجودة هناك اليوم تعود جذورها إلى تلك المرحلة.

وأكد أن التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، وما رافقها من نزاعات وحروب متتالية، كان لها تأثير مباشر على الواقع الديموغرافي للمسيحيين ومستقبل وجودهم في الشرق الأوسط، داعيًا إلى العمل من أجل بناء مجتمعات أكثر عدالة واستقرارًا تحفظ التنوع وتصون الكرامة الإنسانية لجميع أبنائها.

تم نسخ الرابط