تسريب الامتحانات يعود كل عام.. أين تكمن الحلقة الأضعف؟|خاص
مع انطلاق موسم الامتحانات كل عام، تعود قضية الغش وتسريب الامتحانات إلى الواجهة باعتبارها واحدة من أخطر التحديات التي تواجه منظومة التعليم في مصر.
فعلى الرغم من الإجراءات الرقابية والتقنية المشددة التي تطبقها وزارة التربية والتعليم، لا تزال بعض الوقائع تتكرر، ما يثير تساؤلات حول مصادر التسريب، وآليات المواجهة، ومدى كفاية العقوبات الحالية في ردع المتورطين.
أكد الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي، أن ظاهرة تسريب الامتحانات أصبحت للأسف سلوكًا متكررًا يتجدد كل عام مع مواسم الامتحانات المختلفة، سواء في الشهادة الإعدادية أو الثانوية العامة أو الدبلومات الفنية، مشيرًا إلى أن هناك دائمًا من يسعى إلى تحدي الإجراءات التي تتخذها وزارة التربية والتعليم لمنع الغش أو تسريب الامتحانات.
فارقًا كبيرًا بين تسريب الامتحان قبل بدء اللجنة وبعدها
وأوضح حمزة في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن هناك فارقًا كبيرًا بين تسريب الامتحان قبل بدء اللجنة وتسريبه بعد دخول الطلاب إلى اللجان، فإذا تم التسريب قبل بدء الامتحان، فإن ذلك يعني وجود خلل خطير وتسرب للمعلومات من داخل المنظومة التعليمية أو من الجهات المسؤولة عن إعداد وحفظ الامتحانات، وهو ما يستدعي التحقيق الدقيق للوصول إلى المسؤولين عن الواقعة.
وأضاف الخبير التربوي، أن احتمالات التسريب قد تكون متعددة، فقد يكون وراءها أحد العاملين بالمنظومة التعليمية أو أحد القائمين على أعمال الامتحانات من معدّي الأسئلة أو الملاحظين أو المراقبين أو رؤساء اللجان، موضحًا أن وجود شخص واحد عديم الضمير داخل هذه المنظومة قد يؤدي إلى إفساد جهود الآلاف من العاملين الملتزمين.
وأشار إلى أنه في حال تسريب الامتحان بعد بدء اللجنة، فإن الأمر يرتبط غالبًا بتمكن أحد الطلاب من إدخال هاتف محمول أو وسيلة اتصال إلى داخل اللجنة رغم الإجراءات الاحترازية المعلنة، متسائلًا عن أسباب فشل عمليات التفتيش في بعض الحالات، كما لفت إلى أن مسؤولية منع التسريب لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل جميع المشاركين في تنظيم وتأمين العملية الامتحانية.
وزارة التعليم تبذل جهودًا كبيرة وتطبق إجراءات صارمة للحد من ظاهرة الغش
وشدد حمزة على أن وزارة التربية والتعليم تبذل جهودًا كبيرة وتطبق إجراءات صارمة للحد من ظاهرة الغش وتسريب الامتحانات، إلا أن هذه الظاهرة ما زالت تتكرر عامًا بعد آخر، مؤكدًا أن العامل الأساسي وراء استمرارها يتمثل في غياب الوازع الأخلاقي والديني لدى من يرتكبون هذه المخالفات، لافتا إلى أن الشخص الذي يقدم على تسريب الامتحان أو تسهيل الغش يدرك أنه يضر بمصالح آلاف الطلاب المجتهدين، ويهدر جهود أولياء الأمور، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص، فضلًا عن تأثيره السلبي المباشر على منظومة التعليم بأكملها.
وطالب الخبير التربوي بضرورة تطبيق عقوبات رادعة وحاسمة على كل من يثبت تورطه في تسريب الامتحانات، سواء كان طالبًا أو معلمًا أو موظفًا بالكنترول أو أي مسؤول آخر، مؤكدًا أن العقوبات الحالية لم تحقق الردع المطلوب، وهو ما يفسر استمرار الظاهرة على مدار سنوات طويلة.
ودعا حمزة مجلس النواب إلى إصدار تشريع يجرم تسريب الامتحانات باعتباره جريمة تمس الأمن القومي، وأن يتم التعامل معها باعتبارها جريمة جنائية تستوجب الإحالة المباشرة إلى النيابة العامة، وليس الاكتفاء بالإجراءات الإدارية أو الخصومات المالية، مؤكدًا على أن تسريب الامتحانات يهدر مليارات الجنيهات التي تنفقها الدولة على العملية التعليمية، ويضيع سنوات من الجهد الذي يبذله الطلاب وأولياء الأمور، مطالبًا وزارة التربية والتعليم بمواصلة تكثيف جهودها لكشف المتورطين في وقائع التسريب والغش وتقديمهم إلى العدالة، بما يحقق الردع ويحافظ على نزاهة العملية التعليمية.
من جانبه أكد الدكتور حسن شحاتة، الخبير التربوي وأستاذ المناهج بجامعة عين شمس، أن الدولة المصرية تتبنى سياسة حاسمة لمواجهة جميع أشكال الغش الإلكتروني وتسريب الامتحانات، في إطار حرصها على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين الطلاب، وضمان أن تعبر النتائج عن القدرات والمهارات الحقيقية لكل طالب.
وقال شحاتة في تصريحات خاصة إن الجهات المعنية اتخذت إجراءات رقابية وتقنية متطورة لمنع محاولات الغش قبل دخول الطلاب إلى لجان الامتحانات، مع استمرار أعمال المتابعة والمراقبة طوال فترة الامتحانات، بما يضمن نزاهة منظومة التقييم ويحافظ على حقوق الطلاب المجتهدين.
ضرورة تغيير بعض المفاهيم المغلوطة المنتشرة في الشارع التربوي
وأضاف أن هناك ضرورة لتغيير بعض المفاهيم المغلوطة المنتشرة في الشارع التربوي، والتي تعتبر الغش نوعًا من "الشطارة" أو "الفهلوة"، مشيرًا إلى أن الأخطر من ذلك هو قبول بعض الأسر لهذه الممارسات أو تشجيعها للوصول إلى أهداف تعليمية بطرق غير مشروعة وعلى حساب حقوق الآخرين.
وأوضح أن هؤلاء الآباء يغفلون أن تشجيع أبنائهم على الغش يسهم في تخريج أجيال تؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، وهو ما يتعارض مع قيم النزاهة والانضباط التي تسعى الدولة إلى ترسيخها في المجتمع.
وأشار الخبير التربوي إلى أن الامتحانات في السابق كانت تعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والتلقين والتخزين، وهو ما أتاح فرصًا أكبر لبعض ممارسات الغش، إلا أن توجهات الدولة الحالية تستهدف بناء "إنسان جديد لمجتمع جديد"، يمتلك مهارات التفكير والتحليل والتفسير والإبداع، ويتقبل الآخر ويحترم ثقافات الشعوب المختلفة، فضلًا عن قدرته على التعامل مع التقنيات الحديثة.
وشدد شحاتة على أن تطوير نظم الامتحانات والتقويم جعل الاعتماد على الغش أمرًا غير مجدٍ، مؤكدًا أن الغش والغشاشين أصبحوا من الماضي في ظل التشريعات والإجراءات الصارمة التي تجرم هذه الممارسات وتوقع عقوبات رادعة على كل من يعتدي على حقوق الآخرين أو يسعى للحصول على درجات لا تعكس مستواه الحقيقي وقدراته الفعلية.