"آثار أرض الفيروز" بين مجد الماضي وتطلعات المستقبل، أرض تجلت عليها كلمات الله. هنا.. على هذه الأرض، لم يمر التاريخ فحسب، بل بارك الله الشجر والحجر. سيناء، ضلع المثلث المقدس ومحراب الأنبياء، حيث اهتز الجبل جلالاً وتجلى النور الإلهي ليهدي البشرية أولى رسالات السماء.
سيناء ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي محراب كوني التقت فيه السماء بالأرض؛ إن إبراز هذا الإرث الروحي النادر ليس مجرد توثيق للتاريخ، بل هو أعظم رسالة جاذبة لقلوب ملايين البشر حول العالم، ومفتاح ذهبي لإعادة صياغة الخريطة السياحية العالمية نحو واحة السلام والطهر العظيم. من مسار العائلة المقدسة إلى دروب الحجيج الأثرية، نفتح للعالم أبواب واحة الطهر والسكينة، لنستشف من ماضيها العريق مستقبلاً سياحياً يجمع قلوب ملايين البشر في أرض السلام.
يُمثل مسار العائلة المقدسة في مصر صكَّ أمانٍ إلهي حُفر في قلب الجغرافيا، وبصمة فريدة صاغت وجدان الهوية المصرية لأعظم رحلة في التاريخ. لم يمرّا عبر أرض الكنانة كعابري سبيل، بل غرس السيد المسيح والسيدة العذراء بركتهما في نسيج المجتمع من شمال سيناء إلى عمق الصعيد، لتحيا ذكراهما كإرث وطني خالص يعتز به المسلم والمسيحي على حد سواء، وقد تجسّد تمسك المصريين الأسطوري بهذا التراث العظيم عبر العصور ليظل هذا المسار شاهداً حياً على أن مصر كانت -وستظل- واحة الأمن والسلام وملتقى الحضارات.
وتأكيداً لهذا الإرث الروحي والنادر، أقامت لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر بمقرها بالزمالك، تحت رعاية الدكتور علاء عبد الهادي، ندوة وثائقية حاشدة بعنوان (سيناء بين الماضي العريق وتطلعات المستقبل) أدارها الكاتب والباحث عبد الله مهدي.
وشهدت الندوة أطروحات أثرية وتاريخية بالغة الأهمية، حيث استعرض الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي للاتحاد العام للأثاريين العرب، خريطة آثار سيناء منذ عصور ما قبل التاريخ ومصر القديمة، ملقياً الضوء على آثار الأنباط المكتشفة في "قصرويت" وتل "المشربة" بدهب، مع تقديم رؤية استراتيجية لإحياء طريق الأنباط التجاري وتطويره سياحياً؛ لترسم الندوة في النهاية لوحة متكاملة تؤكد أن إبراز هذا الإرث الروحي ليس مجرد توثيق للتاريخ، بل هو المحرك الأساسي لدعم وتنشيط السياحة المصرية عالمياً.
عبد الله مهدي.. حارس الذاكرة الذي فتح الباب
تولى الكاتب والباحث عبد الله مهدي، رئيس لجنة الحضارة المصرية القديمة، إدارة الندوة بروح العاشق لتاريخه. لم يبدأ بالترحيب المعتاد، بل بدأ بالقسم: "سيناء قطعة من قلب الوطن". كلماته الأولى رسمت الإطار الوجداني للقاء؛ حدثنا عن سيناء التي ارتبطت بالقداسة في الضمير المصري، الأرض التي ذُكرت في القرآن، وكلم الله نبيه موسى فوق رمالها، فصارت ضلعاً ثالثاً في مثلث مقدس مع مكة والقدس.
دور مهدي لم يكن إدارة الجلسة فقط، بل كان "حارس البوابة" الذي يُذكرنا دائماً لماذا نجتمع. أكد أن الاهتمام بالأثر يبدأ من الوعي، وأن الحفاظ على التراث السيناوي هو حفاظ على جزء من هويتنا المصرية التي لا تكتمل إلا به. دعوته كانت واضحة: لن نستطيع أن نخاطب العالم بمستقبلنا إن لم نحسن قراءة حجر من جبل موسى أو نقش من وادي فيران.
عبد الرحيم ريحان.. أرشيف يمشي على قدمين
جاءت كلمة د. عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي للاتحاد العام للآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، كفصل كامل من كتاب مفتوح، سرد لنا بالكلمات كحكّاء بارع يبعث الحياة في أحجار سيناء وقلاعها، ويسرد عبقرية الأجداد بأسلوب شيق.
بدأ من إنسان ما قبل التاريخ الذي نحت أدواته في سيناء، ومرّ على ملوك مصر القديمة الذين جعلوا منها "أرض الفيروز". توقف طويلاً عند الأنباط، تجار الصحراء الذين حولوا قصرويت وتل المشربة إلى محطات عالمية، وطرح رؤية جادة: "طريق الأنباط يجب أن يعود للحياة كمسار سياحي يربط الأثر بالتنمية".
ثم حملنا إلى وديان الرهبنة، حيث صمت الكنائس في وادي فيران وأعلى جبل الطاحونة وسانت كاترين، وشرح كيف تحولت سيناء منذ القرن الرابع الميلادي إلى محطة رئيسية في "طريق الحج المسيحي". رسالته كانت صارخة: هذا الطريق بكل عمارته وفنونه كنزٌ مُعطل، والحفاظ عليه وتطويره يعني أننا نفتح باباً للسياحة الروحية العالمية.
واختتم بقلاع الإسلام، من حصن رأس راية إلى قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون وقلعة الجندي، وربط بينها وبين طريق الحاج المصري القديم وطريق صلاح الدين الحربي. كان دور د. ريحان هو "بنك المعلومات" الذي يقول لنا كل هذا موجود، لكنه بدوره من أبرز الأسماء حماة الحضارة والتراث يصرخ طالباً الحماية والتوظيف الرشيد. ضرورة الحفاظ على الأثر عنده ليس تجميداً، بل إحياء وتنمية الموارد ليعود علينا بالتنمية السياحية والاقتصادية.
مصر حمادة وإسراء عرفة.. جيل يحمل الشعلة
واكتملت الصورة بحضور يمنح الأمل، حين تقدّم إلى المنصة وجهان من جيل يعرف أن التاريخ لا يُحفظ في المتاحف وحدها، بل يُبعث في العقول بمشاركة الباحث محمد حمادة، رئيس مبادرة أحفاد الحضارة المصرية، والباحثة إسراء عرفة. مثّل الاثنان جيل الشباب الذي يرفض أن يكون التاريخ حكراً على القاعات المغلقة.
تحدث حمادة عن مبادرته ودورها في تبسيط الحضارة للنشء، مؤكداً أن الوعي الأثري يبدأ من المدرسة ومن السوشيال ميديا. أما إسراء عرفة، فقدمت رؤية بحثية عن ضرورة توثيق الآثار المصرية لحمايتها من الاندثار والنسيان؛ التراث لن يضيع طالما هناك من يحمله بوعي جديد وأدوات عصرية. معاً، مثّل الثنائي جيلاً يرفض أن يكون التاريخ حكراً على القاعات المغلقة والكتب، جيلاً يمسك شعلة الماضي بيد، وفي اليد الأخرى هاتف ذكي وعدسة وماسح ضوئي. جيل يقول للعالم إن التراث المصري لن يضيع، لأن هناك من قرر أن يحمله بوعي جديد، ولغة جديدة، وأدوات عصرية تفهمها الأجيال القادمة.
سنا بوعزارة.. حضور دولي ونقاش ثري
أضفى الحضور الدولي للندوة بُعداً استثنائياً تجسّد في المداخلة المُلهمة للمهندسة المعمارية الجزائرية-الفرنسية سنا بوعزارة، والتي عبّرت فيها عن مشاعر انبهار جارفة فور زيارتها الأولى للمتحف المصري الكبير، واصفةً إياه بصوت يملؤه الفخر: "ما هذا الرقي!". هذا الشعور الصادق دفعها لإطلاق مبادرتها العالمية لتسجيله بموسوعة جينيس كـ "أرقى متحف في العالم".
وقد أكدت بوعزارة في كلمتها الشغوفة أن الحضارة المصرية تظل شعاع نور للعلم والمعرفة ملهم للبشرية؛ إذ لم تتوقف عظمتها عند حدود التاريخ والآثار، بل تجلت في علوم الهندسة والعمارتين القديمة والحديثة. وأوضحت أن هذا المبنى العظيم الذي شُيّد برؤية وإضافة تعديلات معمارية مبتكرة بأيدي وعقول أحفاد المصريين القدماء بكل فخر وانتماء، هو الدليل القاطع على انتقال جينات الابتكار والإبداع عبر الأجيال، حيث برع الأحفاد تماماً كما برع الأجداد في الطب، العلوم، الهندسة والعمارة.
وانطلاقاً من رؤيتها كباحثة هندسية، شددت على تفرد التصميمات المعمارية للمتحف عالمياً والتي تتجاوز مجرد فكرة المساحة الضخمة، متسائلة؟! "كيف لا يتحول هذا الصرح المعماري الراقي إلى مدرسة عالمية لتعليم العمارة؟" وطرحت بوعزارة رؤية مستقبلية تقضي بألا يقتصر دور المتحف على عرض "الكنوز الأثرية" فقط، بل أن يصبح مركزاً تعليمياً ومنبراً أكاديمياً دولياً بالشراكة مع كبرى الجامعات والمعاهد العالمية، يأتيه الباحثون من كل أنحاء العالم ليتعلموا أصول الهندسة على يد الأساتذة والخبراء المصريين الذين شيدوه، مما يحقق نقله نوعية تربط بين عظمة "العرض الأثري" وعبقرية الأصل المعماري".
صوت الميدان والسائح.... محمد الشاذلي
الذي جاءت كلمته كمرشد سياحي من واقع العمل مع السائح، ليضع النقاط على الحروف من أرض الواقع. الشاذلي لا يتحدث من كتب، بل من آلاف الأيام التي قضاها يشرح للسائحين معنى "هنا مصر". "السائح يشتري تذكرة ليرى تجربة سياحية متنوعة". وأكد أن آثار سيناء بكل طبقاتها، من النبطية إلى المسيحية إلى الإسلامية، هي المنتج الذي يبحث عنه العالم اليوم: الأصالة والقصة.
دوره كان أن يذكر الجميع بأن الحفاظ على الأثر ليس هدفاً متحفياً فقط، بل هو شرط لبقائنا على خريطة السياحة العالمية. طالب بتدريب أبناء سيناء، وتطوير البنية التحتية للدروب الأثرية، رسالته: الأثر الذي لا يراه أحد، كأنه غير موجود، ولكي يراه الناس، يجب أن نحميه أولاً.
انتهت الندوة ولكن المهمة لم تنتهِ لحماة الهوية والحضارة، ما قاله المتحدثون والحضور هو رأي كل غيور على وطنه وتاريخه؛ أن سيناء ليست ماضياً نبكيه، بل مسؤولية نحملها، الحفاظ على الأثر يبدأ بالتوثيق، ويمر بالتوعية، وينتهي بالتوظيف التنموي المستدام. اتفق الجميع أن "أرض الفيروز" تستحق أن نراها بعيون جديدة، عيون تحمي، وترمم، وتطور، وتسوق للعالم، فالأثر الذي لا نحميه اليوم، لن نجده غداً، والتراث الذي لا نستثمره بوعي، سيتحول من فرصة إلى عبء.
*كل هذا يأخذنا إلى إلقاء الضوء على آليات تحقيق التنمية المستدامة في قطاع السياحة يرتكز بشكل أساسي على تمكين الصناعات الصغيرة والحرف التقليدية، التي لا تقتصر قيمتها على حفظ هويتنا الثقافية فحسب، بل تحول التراث إلى فرصة اقتصادية حقيقية تخلق فرص عمل وتدعم المجتمع المحلي.
ولكي تحقق هذه الحرف قيمتها الكاملة، بات من الضروري حمايتها بقوانين الملكية الفكرية وبناء علامات تجارية قوية تمنح شعار "صنع في مصر" ثقة وجودة عالمية؛ لتصبح هذه المنتجات جزءاً أصيلاً من التجربة السياحية وقصة المكان التي يقتنيها السائح. ولإنجاح هذه المنظومة، برز تساؤل جوهري حول دور الإعلام: لماذا لا نتبنى فكرة "الإعلام السياحي المتخصص" على غرار الإعلام الرياضي؟
بحيث تمتلك كل قناة برنامجاً سياحياً ثابتاً يقدمه متخصصون يدركون أثر الكلمة في هذه الصناعة الحيوية، بدلاً من اختزال السياحة في مجرد فقرة عابرة لتغطية حدث أو احتفالية*، من اتحاد الكتاب الذي اجتمعت فيه عقول تؤمن أن الأثر ليس حجراً، لتقول إن الحفاظ على التراث ليس ترفاً ثقافياً، بل واجب وطني للحفاظ على الهوية والجذور وأيضاً مصدر اقتصادي هام.