كلما شاهدت إنجازًا جديدًا للدكتور هشام سلام أو لفريق “سلام لاب” بجامعة المنصورة، أتذكر سؤالًا واحدًا: ماذا كان سيحدث لو لم يعد إلى مصر؟
السؤال ليس مبالغة، لأن الرجل بعد حصوله على الدكتوراه من جامعة أكسفورد، إحدى أعرق جامعات العالم وأعلاها تصنيفًا وتأثيرًا في البحث العلمي، كان بإمكانه أن يبقى حيث تتوافر الإمكانيات والتمويل والبيئة الداعمة للبحث العلمي. كان يمكن أن يختار طريقًا أكثر سهولة وراحة، كما يفعل كثيرون، لكنه عاد إلى مصر، ليرد الجميل كما يعلن، والأهم أنه لم يعد إلى العاصمة أو إلى مؤسسة بحثية ضخمة، بل عاد إلى المنصورة، إلى جامعة إقليمية في قلب الدلتا، ليبدأ من هناك رحلة تبدو اليوم أقرب إلى المعجزة.
وربما لأنني أعرف المنصورة وأعرف ما تمثله في الوجدان المصري، فقد تذكرت وأنا أتابع قصة هشام سلام اسمًا آخر ارتبط بالمدينة نفسها، هو الدكتور محمد غنيم. ما زلت أتذكر دهشتي عندما رأيته منذ سنوات يتابع بنفسه أدق التفاصيل داخل مركز الكلى الذي أسسه، حتى تفاصيل النظافة والنظام داخل المطبخ. يومها فهمت أن المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالشعارات الكبيرة، وإنما بعقول تؤمن بما تفعل وبقدرتها على تحويل المستحيل إلى واقع. وهذا بالضبط ما فعله هشام سلام، ولكن في مجال مختلف تمامًا.
فالرجل لم يعد إلى مصر ليشغل منصبًا أكاديميًا أو يضيف سطرًا جديدًا إلى سيرته الذاتية، بل عاد ليؤسس مدرسة علمية كاملة في تخصص يعد من أندر وأصعب التخصصات في العالم، وهو علم الحفريات الفقارية. في ظروف نعرفها جميعًا، من محدودية الموارد إلى البيروقراطية وتعقيدات العمل اليومي، نجح في بناء مركز أصبح خلال سنوات قليلة واحدًا من أهم مراكز الحفريات في المنطقة، وتحول اسم “سلام لاب” إلى علامة علمية معروفة في الأوساط البحثية الدولية.
ومن يتابع صفحة الدكتور هشام سلام يلاحظ أن الإنجازات لا تكاد تتوقف، كل بضعة أسابيع نقرأ عن اكتشاف جديد أو دراسة جديدة أو نشر علمي في واحدة من أرقى الدوريات العالمية. أسماء مثل Nature وScience لم تعد بالنسبة لفريقه أحلامًا بعيدة المنال، بل أصبحت محطات متكررة في رحلة علمية مبهرة بدأت من جامعة مصرية في قلب الدلتا.
لكن أكثر ما جذبني مؤخرًا لم يكن النشر العلمي فقط، بل طرق المنشورات ومنها أخيرًا ما كتب فيه: “هنا سأسكت قليلًا تقديرًا واحترامًا لهذا الجمال”، مرفقًا بصورة حفرية سمكة اكتشفها فريقه في الصحراء الشرقية المصرية ويبلغ عمرها أكثر من 62 مليون سنة، أرقام لا يستطيع عقلي استيعابها..
ثم ينشر الفيديو الذي يوثق به رحلة الاكتشاف كما يفعل دومًا ليكشف جانبًا آخر من الحكاية؛ علماء وباحثون وباحثات يجوبون الصحراء الشرقية والغربية في ظروف مناخية قاسية، يقضون أيامًا طويلة بين الصخور والرمال بحثًا عن إجابة لسؤال علمي قد يستغرق الوصول إليه سنوات. وعقب النشر الدولي العلمي تجده ينشر صورًا أيقونية للحفريات الموثقة بجانبها عملة فضية تحمل صورة أبو الهول "جنيه مصري"، إمعانًا في حفظ الهوية وإرسال رسائل متعددة، تقول: نعم نستطيع.
ما يلفت انتباهي في الفيديوهات والصور دومًا ليس الحفريات وحدها، بل الوجوه التي ظهرت خلف الإنجاز. فتيات مصريات يشبهن آلاف الفتيات اللاتي نصادفهن كل يوم في الشوارع والجامعات، لكنهن يعملن في واحد من أكثر المجالات العلمية صعوبة وندرة على مستوى العالم. كنت أشاهدهن وأفكر في حجم الجهد الذي يتطلبه الوصول إلى هذا المستوى؛ فكل باحث يعرف أن النشر العلمي الدولي ليس أمرًا عاديًا، وأن الوصول إلى دورية عالمية مرموقة يحتاج إلى سنوات من العمل والتدريب والانضباط والإصرار، وإلى أفكار واكتشافات غير تقليدية تستحق أن يلتفت إليها العالم.
وربما لهذا السبب أرى أن الإنجاز الحقيقي لهشام سلام لا يتمثل فقط في الحفريات التي اكتشفها أو الدراسات التي نشرها، وإنما في البشر الذين دعمهم، في قيم الانتماء والوطنية التي يعززها بإنجازات وليس شعارات؛ فالحفرية تظل اكتشافًا علميًا استثنائيًا، أما منح الأمل وبناء جيل كامل من الباحثين المصريين "المحليين" القادرين على المنافسة عالميًا فهو إنجاز من نوع آخر، لأنه يضمن استمرار الحلم بعد صاحبه.
ولعل هذا ما جعلني أتوقف طويلًا أمام قراره الأخير بإسناد إدارة “سلام لاب” MUVP إلى إحدى الباحثات من داخل الفريق، الدكتورة سناء السيد، وإعلانه أنه سيواصل العمل تحت إدارتها، وقبلها ما فعله من احتفاء بالدكتورة شروق الأشقر، وكل الباحثين في معمل أُسس بالعلم والسعي والمشاركة. في زمن يتمسك فيه كثيرون بالمناصب حتى اللحظة الأخيرة، بدا هذا القرار استثنائيًا بقدر استثنائية الاكتشافات العلمية نفسها؛ فهو إعلان واضح بأن الهدف لم يكن أبدًا صناعة اسم فرد، بل بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو وإنتاج قيادات جديدة.
لهذا كله أعتقد أن أعظم اكتشافات هشام سلام ليست الديناصورات ولا الحيتان ولا الأسماك التي عاشت قبل عشرات الملايين من السنين؛ أعظم اكتشافاته هم هؤلاء الشباب الذين آمنوا بالعلم، وهؤلاء الباحثون والباحثات الذين تعلموا أن المنافسة الحقيقية ليست مع زملائهم، بل مع أفضل المؤسسات العلمية في العالم. إنها قصة عالم عاد من أكسفورد إلى المنصورة، لكنه لم يعد وحده، عاد ومعه حلم كبير، ثم نجح في إقناع عشرات الشباب بأن هذا الحلم يستحق أن يُعاش.
وإذا كان يلخص أسباب وصول مركز المنصورة للحفريات للعالمية بأربعة أسباب: الشغف والقراءة والتخطيط والعمل الجماعي، أزيده بخامس وأهم الأسباب: وجود شخص بعلم وأخلاق الدكتور هشام سلام، الذي بمثله نعرف أن مصر ولادة وستظل قادرة على إنتاج عقول تلفت انتباه العالم كله، لنقف ونتساءل: "يا مصر بتعمليها إزاي؟".