أسرار الهدية الفاخرة.. ماذا قدم زعيم المتمردين الكرد لعملاء الموساد؟
في سبعينيات القرن الماضي، قدم عملاء الموساد وضباط الجيش الإسرائيلي الدعم للمتمردين الأكراد في العراق، وتعبيرًا عن امتنانه، قدم زعيم الكرد العراقيين الملا مصطفى بارزاني هدية للمستشارين الإسرائيليين، وهي جرو دب سوري، وجلب الدب إلى البلاد في عملية سرية وأُودع في حديقة حيوان تل أبيب.
وفي قلب منطقة معادية وبعيدًا عن أعين الجمهور، تدار حرب سرية، كان عملاء الموساد وضباط من الجيش الإسرائيلي يعملون في الظلال لتقديم المساعدة للمتمردين الأكراد ضد العراق، وفي إحدى الليالي الباردة، وداخل خيمة عملياتية نائية، ظهرت شخصية غير متوقعة.
لم يكن الأمر يتعلق بعدو، أو جاسوس، أو مغتال، بل بسر أمني من نوع آخر تمامًا: جرو دب سوري بني اللون، يبلغ من العمر 7 أشهر، والذي كان مقدرًا له أن يصبح أحد أغرب الأسرار وأكثرها كتمانًا في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

دب يظن نفسه كلبًا
جاء الدب كهدية من زعيم الأكراد، الملا مصطفى بارزاني، الذي استدعى إليه المستشار العسكري من قبل الموساد، العميد (احتياط) (تزوري ساجي)، وأراد شكره شخصيًا على المساعدة التي يقدمها لرجاله، وكبادرة تقدير على صداقتهما الطويلة الممتدة منذ عام 1966، قدم له بارزاني هدية استثنائية: جرو دب مقيد بسلسلة، نشأ حتى تلك اللحظة في منزل خاص بجبال كردستان.
أمام هذا الموقف، خشي ساغي من أن رفض الهدية التي قدمها زعيم المتمردين بشكل شخصي قد يُفسر على أنه إهانة ويضر بنسيج العلاقات مع المتمردين الأكراد.
لذلك استشار عميل الموساد الذي كان متواجدًا معه في الميدان، وقرر الاثنان الانتظار حتى وصول رئيس الموساد في ذلك الوقت، مائير عاميت، لاتخاذ قرار حاسم بشأن مستقبل الدب، الذي أُطلق عليه في هذه الأثناء اسم (شامو).
ولكن حتى وصول "عاميت"، كان "شامو" قد تحول بالفعل إلى مقاتل نظامي؛ فبينما أمضى شهرين كاملين ينام داخل الخيمة رفقة الوكلاء الثلاثة الذين قدموا الاستشارات للأكراد، كان يرافقهم أيضًا في لقاءاتهم السرية، بل إنهم تقاسموا معه حصصهم التموينية من الطعام، ووصفه الوكلاء آنذاك بأنه "دب يظن نفسه كلبًا".
وعندما حط مائير عاميت رحاله أخيرًا في زيارة للموقع، ذهل برؤية أعضاء البعثة الأشداء وهم يلاعبون حيوانهم الأليف الفروي، وأدرك أنه لا توجد طريقة لضمان حياة آمنة للدب في تلك الظروف، كما لا يمكن إطلاقه في البرية، فوعدهم قائلًا: "سنجد له حلًا".
"لا نترك الدب خلفنا"
بعد ثلاثة أشهر من العيش المشترك، حان وقت مغادرة "ساغي" لكردستان، وخلال عملية تسليم المهام لخلفه، كانت التوجيهات العملياتية واضحة وحاسمة، "لا نترك الدب خلفنا".
توجه الوكلاء لاستشارة أحد أفراد وحدة الكوماندوز (الاستطلاع) من قرية تعاونية (كيبوتس) "معبروت" وهو رجل كان خبيرًا في العبوات المتفجرة والحيوانات على حد سواء، وكانت فكرته تقضي بجلب الدب إلى البلاد ودمجه في ركن الحيوانات الصغير بالقرية.
ولحسن حظ أطفال القرية، طُويت فكرة تربية دب في ركن مخصص للطواويس وخنازير غينيا، وتجلى القرار بأن تكون وجهته النهائية حديقة حيوان تل أبيب (حيث يقع مجمع "حديقة المدينة" التجاري اليوم).
وانطلقت العملية، بفضل علاقات رئيس الاستخبارات مائير عاميت، نُقل "شامو" على متن طائرة شحن تابعة لسلاح الجو وهبط في البلاد.
وبعد نحو عامين من إقامته، عاد "الإخوة الكبار" من جهاز الاستخبارات لزيارته في حديقة الحيوان، يرافقهم المظلي الأسطوري أهارون دافيدي.
تعرف الحارس في الموقع على دافيدي واصطحبهم في جولة خاصة بكبار الشخصيات وصولًا إلى القفص، لكن اللقاء المرتقب كان جافًا وباردًا؛ فقد تحول "شامو" في هذه الأثناء إلى دب ضخم، ولم يتعرف على المقاتلين الذين ربوه في الخيمة، ولا حتى من خلال رائحتهم.
اللغز: هل تحول "شامو" إلى "عكيفا"؟
هنا، في الواقع، يبدأ اللغز، ففي تقرير نُشر قبل 15 عامًا في الصحافة العبرية، ذُكر أنه مع إغلاق حديقة حيوان تل أبيب، نُقل "شامو" إلى حديقة سفاري رمات غان.
ووفقًا لنفس المنشور، فقد دخل التاريخ كأول ذكر من فصيلة الدببة السورية يصل إلى الموقع، وأصبح أبًا لدببة كثيرة في السفاري.
بل إن إرثه قد خُلّد عندما زارت مجموعة من الجنرالات المتقاعدين (من بينهم ران بيكر، وأوري ياروم، وأوري سيمحوني) حديقة السفاري، ورفعوا نخبًا أمام أقفاص "الأحفاد" إحياءً لذكرى جرو الدب الكردي.
لكن، هل انتهت القصة بهذا الشكل؟ شهادات متأخرة ألقت بظلال كثيفة من الشك على هذه النهاية الهوليوودية، فقد تبين أنه لم يُنقل من حديقة الحيوان القديمة في تل أبيب إلى السفاري سوى دب سوري واحد فقط، وكان اسمه "عكيفا".
فهل "عكيفا" هو في الحقيقة "شامو" نفسه بعد أن أُطلق عليه اسم محلي على مر السنين، أم أن الأمر يتعلق بدب آخر تمامًا؟ وما الذي حل حقًا بمصير دب الاستخبارات الأصلي الذي نُقل جوًا من كردستان؟ حتى يومنا هذا، لا أحد يعرف اليقين.
وربما لا يزال السر الأخير لعملية "شامو" محفوظًا بعناية في الأرشيفات، ينتظر من يرفع عنه الستار.