يتعلم الروسية ويخشى بوتين.. كواليس حياة بشار الأسد في موسكو
كشفت سمدار بيري، الصحفية الإسرائيلية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، أنه في ظل "محاكمات الأسد" التي انطلقت في دمشق، يعيش المتهم الرئيسي حياة رغيدة داخل شقة "بنتهاوس" فاخرة في موسكو، والأبناء يتسوقون ويتنزهون في أبوظبي، والزوجة أسماء تحلم بالطلاق والعودة إلى لندن، لكن بشار الأسد لا يغادر المجمع الفاخر للحظة، مستغرقًا في كتب الطب ودراسة اللغة الروسية.
وأكدت بيري في مقالها بصحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، أنه من أعالي شقته الفاخرة (البنتهاوس) في مركز "موسكو سيتي" للأعمال، تبدو حياة بشار الأسد هادئة ومسترخية.. الرجل الذي حكم سوريا لـ 24 عامًا، شملت أكثر من عقد من الحرب الأهلية الدامية، يدير اليوم حياة بذخ رتيبة في موسكو، وهذه المرة على نفقته الخاصة؛ أي على حساب المليارات التي تمكن من تحويلها إلى روسيا خلال فترة حكمه.
وفقًا للتقارير يمتلك الأسد، من بين أمور أخرى، نحو 20 شقة في موسكو اشتراها خلال سنوات رئاسته، وهو يقسم وقته حاليًا مع أفراد عائلته بين عنوانين: البنتهاوس في "موسكو سيتي" في قلب العاصمة، وفيلّا في حي "روبليوفكا" الراقص غرب المدينة، حيث يختلط أثرياء الطبقة العليا بالصفوة السياسية.
ومن فيلته هناك، يمكنه حتى أن يلوح بالتحية لأحد جيرانه وشريكه في المصير المشترك، الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش.
روتين "الرئيس المخلوع": كتب عيون وألعاب كمبيوتر
تفيد مصادر مقربة بأنه قرابة الساعة 11 صباحًا، تتمركز فرقة الحراسة في برج "موسكو سيتي"، وينزل الأسد خلفهم إلى ردهة المبنى (اللوبي)، تصله القهوة السوداء فور جلوسه، ليغرق الرئيس السابق في كتب طب العيون، التخصص الذي درسه وتعمق فيه قبل صعوده إلى السلطة في دمشق، لينتقل بعدها إلى ألعاب الكمبيوتر ومحاولة تعلم اللغة الروسية.
بعد ساعتين أو ثلاث، يلوح للحراس ويعود صاعدًا إلى شقته. وحين يحاول أحيانًا التحدث إلى الحراس المحليين بلغتهم، مستعرضًا حصيلته اللغوية الروسية الشحيحة التي التقطها بصعوبة، يتظاهرون بعدم الفهم.
وحتى اليوم، وبعد مرور عامين ونصف على فراره في جنح الليل من وطنه، لم يخرج الأسد من مجمع الشقق أو الفيلّا، لا إلى مراكز تسوق، ولا إلى السينما، ولا للتنزه في شوارع موسكو.
أبناء الأسد من موسكو إلى أبوظبي
في المقابل، شوهد أطفاله الثلاثة ‑ حافظ (25 عامًا)، زين (23 عامًا)، وكريم (22 عامًا) وزوجته أسماء، هنا وهناك في متاجر الفخامة بالعاصمة الروسية، بل وسافروا منذ ذلك الحين للاستجمام في إمارة أبوظبي الخليجية.
وعند عودتهم، توسلوا للانتقال والعيش هناك بشكل دائم، إلا أن حاكم أبوظبي، محمد بن زايد، رفض طلباتهم جملة وتفصيلًا، وأوضح لهم مسؤولو الأمن في الإمارات: "هذا خطر حقيقي، ستتحولون هناك إلى هدف سهل للاغتيالات".
اضطرت الابنة زين أيضًا إلى قطع دراستها في فرع جامعة السوربون الفرنسية في أبوظبي، إثر موجة غضب عارمة وهتافات تنديد وجهها نحوها طلاب كشفوا هويتها.
وانتقلت منذ ذلك الحين إلى معهد العلاقات الدولية في موسكو، وفي يونيو الماضي حصلت على شهادة البكالوريوس في حفل حضرته والدتها وشقيقاها، بينما لم يحصل والدها على تصريح للانضمام إليهم.
بأمر من بوتين، الذي يمنع دخول الصحفيين إلى المجمع، لم ينجح أحد حتى الآن في التقاط صورة لبشار الأسد، الذي أتم عامه الستين في منفاه، فالرجل الذي كان يمسك بزمام القوة في سوريا، يصفه مستشارو الرئاسة في موسكو اليوم بأنه "غير ذي صلة"، في وقت تنسج فيه روسيا بالفعل علاقات مع النظام الجديد الذي حل محله.

أحلام العودة إلى لندن وظلال المرض
العلاقة بين الأسد وزوجته باتت هي الأخرى أضعف من أي وقت مضى، ونُشر مؤخرًا أن أسماء تطلب الطلاق وترغب في تجديد جواز سفرها البريطاني.
وكانت أسماء قد وصلت لتلقي العلاج الطبي في موسكو حتى قبل هروب بشار، ففي أغسطس 2018، شُخصت بإصابتها بسرتان الثدي وعولجت في مستشفى بدمشق، وهرع والدها طبيب القلب ووالدتها، التي عملت في السفارة السورية بلندن، للوقوف إلى جانبها ورعايتها، وعادوا إلى لندن بعد تعافيها.
وفي مايو 2024، أعلن عن إصابتها بسرطان الدم (اللوكيميا)، ورافقها والداها مجددًا إلى موسكو في جولة أخرى من العلاج، وعادوا بعدها إلى لندن، لكن مساعيها للانضمام إليهم رُفضت تمامًا.
وتتجاهل الحكومة البريطانية جنسية المرأة التي عُرفت قبل زواجها باسم "إيما"، وعملت في بنك لندني كبير وكانت تخطط للانتقال للتدريب في مؤسسة مالية ضخمة بالولايات المتحدة.
لم تكن أي من صديقاتها في البنك تحزر آنذاك أن "إيما" من أصول سورية، حتى انتقلت على عجل إلى دمشق وتزوجت الأسد، لتنكشف هوية الفتاة الجميلة والموهوبة.
وحسب المؤشرات، فإن وضعها الصحي اليوم مستقر نسبيًا، وتخضع لفحوصات دورية ومتابعة طبية في موسكو.

"محاكمات الأسد" تنطلق في دمشق
في 26 أبريل، انطلقت في سوريا سلسلة محاكمات علنية ضد من وُصفوا بـ"مجرمي النظام القديم"، وتُعرف باسم "محاكمات الأسد".
وعلى الرغم من أن المتهمين الرئيسيين، بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، لم يمثلا في قاعة المحكمة، إلا أنه يُعتقد أنه لولا قرار بوتين منح الرئيس المخلوع صفة "لاجئ لأسباب إنسانية"، لكانا يواجهان الآن حكمًا بالإعدام شنقًا.
في غيابهما، وتحديدًا في الجلسة الأولى التي عقدتها محكمة الجنايات العليا بدمشق، تليت لائحة الاتهام ضدهما، وأصدر القاضي أمرًا بمصادرة جميع حساباتهم المصرفية ونقل كافة ممتلكاتهم وعقاراتهم وقصور الرئيس السابق إلى ملكية الدولة السورية.
أما الجلسة الثانية، فقد انعقدت في 15 مايو، وأدخل المتهم عاطف نجيب ‑ المسؤول (السابق) عن الأمن في محافظة درعا بجنوب سوريا وابن خالة بشار وماهر الأسد ‑ إلى قفص الاتهام مرتديًا بيجامة مخططة باللونين الرمادي والأسود ومكبل اليدين والقدمين.
وكان نجيب قد اعتقل في يناير 2025، ويواجه تهمًا بالمسؤولية عن قتل وتعذيب عشرات الأطفال والنساء والمسنين خلال قمع الانتفاضة في درعا، وحضر أهالي الضحايا للإدلاء بشهاداتهم، حاملين صور 16 طفلًا قضوا تحت التعذيب الشديد.
رئيس المحكمة القاضي فخر الدين العريان
مفارقات القدر تجسدت أيضًا في رئيس المحكمة، القاضي فخر الدين العريان البالغ من العمر 83 عامًا، وهو أحد الناجين من ملاحقات النظام القديم، فالعريان، الذي عمل قاضيًا في محكمة الاستئناف بشمال سوريا، قرر اعتزال منصبه قبل نحو عشر سنوات من هروب بشار احتجاجًا على المظالم التي واجهها.
وجد في البداية عملًا في المجال القانوني بإدلب في الشمال، لكن بعد سماعه أن الرئيس الأسد أمر بمصادرة كافة ممتلكاته وحكم عليه بالإعدام، توارى عن الأنظار واستطاع الاختباء لخمس سنوات.
ولم يعد إلى عمله القضائي إلا بعد إعلان تغيير النظام، ليُعين رئيسًا لمحكمة الجنايات العليا والقاضي الرئيسي في "محاكمات الأسد".
ويؤكد المواطنون المحتشدون عند بوابة المحكمة في مقابلاتهم مع القنوات التلفزيونية السورية على "حساسيته الخاصة وعدالته".
وتجري هذه المحاكمات الصورية تحت العين الساهرة للرئيس الجديد والمؤقت لسوريا (وفقًا للتوصيف الرسمي لحين إجراء الانتخابات)، أحمد الشرع.
وجاءت هذه الخطوة بعد زيارتين أجراهما الشرع، في عامي 2025 و2026، للرئيس بوتين في موسكو، طالب خلالهما بتسليم الأسد لمحاكمته على جرائم الحرب، وبعد أن أُوضح له أن ذلك لن يحدث، تقرر الإعلان عن بدء المحاكمة في دمشق.

بوتين يدير ظهره.. والكرملين: "الأسد بلا مستقبل"
مع ذلك، حرص بوتين على أن ينشر في وسائل الإعلام الروسية أنه لم يلتقِ بالأسد مطلقًا، وليست لديه أي نية لدعوته إلى الكرملين، رغم إلحاح الرئيس المنفي.
كما منع الأسد من إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الروسية، الدولية، أو العربية، وأوضح له بحسم: "ولا حتى لقاء صوتي (بودكاست)".
وحرص كُتاب الأعمدة في موسكو على إبراز حالة اللامبالاة التي يبديها بوتين تجاه الأسد، وأوضحت صحيفتا "برافدا" و"إيزفيستيا" أن بوتين "يزدري الضعفاء"، وأضافتا، "الأسد لم يعد مثيرًا للاهتمام، ليس لديه ما يبيعه، إنه بلا أهمية، وبوتين لا يشعر حتى بالشفقة تجاهه".
كما أوضحت "إيزفيستيا" نيابة عن بوتين أن "سقوط نظام الأسد لا يشكل هزيمة لروسيا، من جانبنا، لن نلتقي في المستقبل القريب أو البعيد بالرئيس الذي أصبح بلا صفة فور خروجه من سوريا، القدر السياسي لبشار لم يعد موجودًا".
ويؤكد البروفيسور إيال زيسر، الخبير في الشأن السوري بجامعة تل أبيب، هذه الرؤية قائلًا: "بشار لم يلجأ إلى روسيا لأن بوتين ما زال يراهن عليه، بالنسبة لبوتين، الحافز لمنحه اللجوء هو دافع براجماتي بحت، والهدف منه هو إثبات أن الروس لا يتخلون أبدًا عن أصدقائهم وداعميهم، وبالتالي يجدر التعاون معهم، هذا على النقيض من الولايات المتحدة، التي تخلصت خلال ثورات الربيع العربي دون تردد من زعماء خدموها بإخلاص لعقود مثل حسني مبارك. عند الروس، الأمر يعمل بطريقة أخرى".
كل هذا يترك الرئيس السابق وحيدًا في موسكو، معتمدًا بالكامل على حسن نوايا بوتين. ويضيف زيسر: "بشار بقي بلا مستقبل وبلا دعم في سوريا، من المذهل كيف مُحي في لحظة واحدة نظام الأب والابن الذي حكم البلاد لـ 55 عامًا.
ربما بقيت لديه بضعة مليارات من الدولارات، رغم أن البنوك الغربية مغلقة في وجهه ولا يوجد في الغرب من يهب لمساعدته،حتى العالم العربي تماشى مع تغيير السلطة في سوريا، ويجد لغة مشتركة مع أحمد الشرع، السني المتدين الذي حل محل بشار العلوي، الحليف السابق لإيران الشيعية".
ولا يتوقع البروفيسور زيسر مستقبلًا مشرقًا للديكتاتور المنفي: "التجربة تعهدنا بأنه عاجلًا أم آجلًا سيظهر من يسعى للانتقام من الأسد على ما اقترفه بحق السوريين.
ومن هنا ينبع الانكفاء والتواري الذي يلتزم به بناءً على أوامر بوتين، بهدف منع الحرج الدبلوماسي عن الرئيس الروسي وأيضًا للحفاظ على سلامة الرئيس السابق الذي يطالب الكثيرون برأسه.
أما مساعدوه والمقربون منه الذين تركهم خلفه لمصيرهم، مثل أبناء الطائفة العلوية، فهم بالتأكيد يراجعون حساباتهم الآن بشأن دعمهم لسلالة الأسد، ودفعهم ثمن الكراهية التي تنعكس عليهم حاليًا".