عاجل

منذ وقعت هزيمة الخامس من يونيو 1967، جرت محاولات لا حصر لها لتفسير ما حدث. بعض هذه المحاولات سعى إلى فهم الهزيمة في سياقها الحقيقي، بينما اكتفى بعضها الآخر بترديد رواية مبسطة تختزل ما جرى في أخطاء القيادة المصرية أو في تفوق الجيش الإسرائيلي وحده.
ومع مرور السنوات تحولت هذه الرواية المبسطة إلى ما يشبه الحقيقة المطلقة، رغم أن عشرات الوثائق والشهادات والكتب الصادرة من أطراف الصراع نفسها تكشف أن الصورة كانت أكثر تعقيدًا بكثير. وكان الرئيس الراحل أنور السادات قد شكل لجنة كتابة تاريخ مصر، في يناير 1976، وترأسها في البداية نائبه حسني مبارك، وخلفه الدكتور صبحي عبد الحكيم، أستاذ الجغرافيا، رئيس مجلس الشورى لاحقًا. ورحل السادات ورحلت معه تلك اللجنة، فما الذي حدث في الهزيمة وما الذي حدث في النصر؟ وكيف يُهزم عبد الناصر الزعيم وينتصر السادات الذي لم يصبح زعيمًا بعد؟ وكيف تحولت مصر من دولة منسحبة في 67 إلى دولة تعبر القناة في 73؟
والحقيقة القاسية أن مصر لم تُهزم فقط لأن إسرائيل كانت أقوى، ولكن لأن السياسة قبل 67 أخطأت في قراءة القوة، وأخطأت في تقدير الزمن، وأخطأت في الفصل بين ما يقال للجمهور وما تعرفه غرفة العمليات. صحيح أن 5 يونيو كان انكسارًا، لكن ما بعده كان بداية أخطر عملية إعادة بناء في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، والدرس الذي خرجت به مصر ما زال يحكم سياستها حتى اليوم: لا تدخل حربًا يختار عدوك توقيتها، ولا تسمح أبدًا أن تتحول الدولة إلى رهينة للانفعال الشعبي أو الإعلامي… بعد 67 مصر تعلمت الدرس الأغلى؛ أنه لا حرب بلا معلومات.. لا قرار بلا مؤسسات.. لا جيش بلا تدريب وتسليح حقيقي.. ولا سياسة خارجية بلا اقتصاد يتحمل.. ولا شعارات تستطيع أن تحمي سماء دولة. وعندما أدركت مصر تلك الحقائق بدأت مصر الجديدة التي بنت حائط الصواريخ تحت النار، والتي خاضت حرب الاستنزاف وهي تنزف ولم ترفع صوتها أكثر من قدرتها، مصر التي فهمت أن الردع لا يصنعه الكلام وأن السيادة لا تحميها النوايا الطيبة.
الساعات التي سبقت النكسة مهمة جدًا، فقد كانت هناك عدة فرص لتجنب ما جرى أو على الأقل تقليل الخسائر؛ فقد كانت هناك اتصالات بين القاهرة وموسكو وواشنطن مباشرة، وتحذيرات من الطلقة الأولى ومخاطر إغلاق المضايق. وكانت تطورات الأزمة التي سبقت اندلاع القتال، بدءًا من المعلومات والتقديرات المتعلقة بالحشود الإسرائيلية، مرورًا بقرار حشد القوات المصرية في سيناء، ثم سحب قوات الطوارئ الدولية وإغلاق مضيق تيران. ويؤكد أن تلك الإجراءات رفعت من مستوى التوتر إلى الحد الأقصى، لكنها لم تكن مصحوبة بإعداد عسكري متكامل يوازي خطورة الموقف، ومن هنا بدأت الفجوة تتسع بين الطموحات السياسية والإمكانات الفعلية المتاحة على الأرض.
وكانت حالة الارتباك التي أصابت مراكز القيادة بعد الضربة الجوية الإسرائيلية المفاجئة، والتي استهدفت المطارات والقواعد الجوية المصرية؛ ونجاح إسرائيل في تحييد الجزء الأكبر من سلاح الجو المصري خلال وقت قصير كان عاملًا حاسمًا في تغيير مسار المعركة منذ بدايتها، إذ فقدت القوات البرية الغطاء الجوي الذي كان يمثل عنصرًا أساسيًا في خطط الدفاع. ثم تحولت حالة الارتباك إلى أزمة شاملة مع تضارب المعلومات الواردة من الجبهة، وغياب صورة دقيقة عن حجم الخسائر والموقف القتالي الحقيقي. وفي الوقت الذي كانت فيه البيانات الرسمية تتحدث عن نجاحات وإنجازات ميدانية، كانت القوات على الأرض تواجه أوضاعًا بالغة الصعوبة، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بين الواقع وما يصل إلى القيادة السياسية والرأي العام.
ثم كان قرار الانسحاب من سيناء، وهو من أخطر القرارات التي اتخذت خلال الحرب؛ حيث لم يتم تنفيذ الانسحاب وفق خطة منظمة تضمن الحفاظ على تماسك الوحدات، وإنما جرى بصورة سريعة ومربكة أدت إلى اختلاط التشكيلات العسكرية ببعضها البعض، وتعرضها لهجمات متكررة أثناء الحركة. لذا فإن جانبًا كبيرًا من الخسائر البشرية والمادية وقع خلال هذه المرحلة، أكثر مما وقع أثناء القتال المباشر مع القوات الإسرائيلية.
وفي العاشر من يونيو 1967، تم وقف إطلاق النار بين المعسكرين بوساطة الأمم المتحدة، وانتهت حرب 5 يونيو 1967 بشكلٍ مفاجئ. وتشير التقديرات إلى أنه قد قُتل، خلال الحرب، نحو 20 ألف عربي، مقابل 800 إسرائيلي فقط.
ولكن الأكثر إثارة هو أن هذا الجيش الذي انهزم هو نفسه الذي انتصر في عملية العبور، بعد أن استوعب دروس الخامس من يونيو.. لا أعاده الله.
 

تم نسخ الرابط