عاجل

في عالم كرة القدم، لا تُقاس قوة الأندية بعدد البطولات فقط، وإنما بقدرتها على التعامل مع الأزمات والخروج منها بأقل الخسائر الممكنة. فهناك أندية تتعرض لهزة فنية أو إدارية فتغرق في دوامة من المشكلات لسنوات طويلة، وهناك أندية أخرى تمتلك من الخبرة والمؤسسية ما يجعلها قادرة على تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة البناء والعودة بشكل أقوى.

والنادي الأهلي على مدار تاريخه الطويل كان دائمًا النموذج الأبرز لهذا النوع من الأندية، لا يختلف اثنان على أن الموسم الماضي كان من أصعب المواسم التي مرت على القلعة الحمراء في السنوات الأخيرة. نتائج لم ترتقِ إلى طموحات الجماهير، وخروج من بطولات اعتادت الجماهير على المنافسة عليها، وحالة من عدم الرضا سيطرت على الشارع الأهلاوي لفترات طويلة.

لكن الفارق الحقيقي لم يكن في وجود الأزمة، بل في طريقة التعامل معها، ففي الوقت الذي كانت فيه جماهير الأهلي تطالب بالتصحيح والتغيير، لم يتعامل مجلس الإدارة مع المشهد بمنطق الإنكار أو البحث عن المبررات، بل اعترف بوجود مشكلات تحتاج إلى حلول جذرية، وبدأ العمل على إعادة ترتيب البيت من الداخل من أجل استعادة الاستقرار الفني والإداري.

ومن أهم الملفات التي واجهت الإدارة كان ملف المدير الفني، خاصة في ظل وجود شروط تعاقدية معقدة كانت تهدد النادي بتحمل خسائر مالية ضخمة حال إنهاء التعاقد بصورة مباشرة. ومع ذلك، نجحت الإدارة في إدارة الملف بهدوء وحكمة حتى وصلت إلى صيغة تضمن إنهاء العلاقة بأقل الخسائر الممكنة، وهو ما يعكس قدرة كبيرة على إدارة الأزمات بعيدًا عن الانفعال أو القرارات العشوائية.

وفي الوقت نفسه، لم تكتفِ الإدارة بحل المشكلات القائمة، بل بدأت العمل على بناء مرحلة جديدة بالكامل من خلال إعادة هيكلة قطاع الكرة ووضع أسس أكثر قوة للمستقبل.

وكان من أبرز هذه الخطوات الاستعانة بأسماء تمتلك تاريخًا كبيرًا وخبرة واسعة داخل النادي، وعلى رأسها الكابتن وائل جمعة، أحد أبرز قادة الأهلي عبر تاريخه الحديث، وصاحب الشخصية القوية والانضباط المعروف عنه داخل وخارج الملعب. وهي خطوة تعكس رغبة واضحة في إعادة ترسيخ قيم الالتزام والانضباط التي كانت دائمًا أحد أسرار نجاح الأهلي.

كما أن تكليف شخصيات تمتلك خبرات كبيرة في إدارة ملف الكرة يعكس وجود رؤية واضحة لإعادة البناء، وليس مجرد رد فعل مؤقت على نتائج موسم واحد. فالأندية الكبرى لا تُدار بردود الأفعال، وإنما تُدار بالتخطيط والعمل المؤسسي.
ولا يمكن الحديث عن هذه المرحلة دون الإشارة إلى الدور المحوري للكابتن محمود الخطيب، الذي يدرك جيدًا بحكم خبرته الطويلة أن قوة الأهلي لم تكن يومًا في لاعب أو مدرب أو مسؤول بعينه، وإنما في المنظومة بأكملها. لذلك جاء التحرك سريعًا لإعادة ترتيب الملفات المختلفة ووضع كل شخص في المكان الذي يستطيع أن يقدم فيه أفضل ما لديه.

الأهلي اليوم لا يدّعي أن كل شيء على ما يرام، ولا يقدم لجماهيره وعودًا غير واقعية، لكنه يعمل على معالجة الأخطاء وإعادة بناء الفريق على أسس أكثر قوة. وهذه هي السمة الأهم في الأندية الكبرى؛ الاعتراف بالمشكلة ثم العمل على حلها.

وعلى مدار تاريخه، مر الأهلي بأزمات أكبر من ذلك بكثير، لكنه كان دائمًا ينجح في العودة. ليس لأن الأزمات لا تصيبه، بل لأنه يمتلك القدرة على التعامل معها. وهذه هي الفلسفة التي صنعت نادي القرن الإفريقي وجعلته الرقم الأصعب في الكرة المصرية والإفريقية.

قد يختلف البعض حول بعض القرارات، وقد تتباين الآراء بشأن بعض التفاصيل، لكن الحقيقة الثابتة أن الأهلي عندما يتعثر لا يستسلم، وعندما يواجه أزمة لا يهرب منها، بل يبدأ فورًا في البحث عن الحلول.

ولهذا السبب تحديدًا، كان الأهلي وسيظل نموذجًا للنادي الذي يعرف كيف يسقط... ويعرف أكثر كيف ينهض من جديد.

تم نسخ الرابط