عاجل

تحتل النظم الزمنية والتقاويم مكانة جوهرية في مسيرة الحضارات الإنسانية؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع أن يصيغ لنفسه حضورًا متميزًا بين الأمم دون الاعتماد على سجل زمني يوثق أمجاده، ويثبت ملامح خصوصيته الثقافية والدينية. ومن هذا المنطلق البصري والفكري، تبرز الأهمية البالغة للنظام السنوي المرتبط بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كشريان نابض يغذّي الهوية التاريخية والحضارية لشعوب العالم الإسلامي.
لكل أمة من الأمم تقويمها الخاص الذي تفخر وتعتز به، والذي يُعَدُّ جزءًا أصيلًا من هويتها وثقافتها وشخصيتها ودينها أيضًا. فهناك التقويم الميلادي، والتقويم الهجري، والتقويم الروماني، والتقويم القبطي، والتقويم الفارسي، والتقويم الصيني، والتقويم الإغريقي، وغيرها.
ولا شك أن المعتقدات الدينية للأمم الموجودة اليوم على وجه الأرض أسهمت بشكل كبير في نشأة هذه التقاويم، إذ ترجع في كثير من الأحيان إلى أحداث دينية عظيمة أثرت، ولا تزال تؤثر، في حياة الشعوب.
وإن الأمة الإسلامية، كباقي الأمم، لها تقويمها الخاص الذي يعود بها إلى ذكرى مهمة غيَّرت وجه الأرض، وأثرت في الإنسانية إلى آخر الدهر. فالتقويم الهجري الإسلامي يرمز إلى الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، حيث أسس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين نواة الدولة المدنية الحديثة، التي ما لبثت أن صارت قوة عالمية عظمى، تقف ندًّا لند، بل وتتفوَّق على أقوى قوتين عالميتين في ذلك الوقت، وهما الفرس والروم.
حتى صارت أمتنا الإسلامية عزيزة الجانب، مرهوبة المكانة، وأصبح العالم يحسب للأمة الإسلامية ألف حساب.
ولا يقتصر دور هذا التقويم على كونه مجرد وسيلة لحساب الأيام والشهور، بل إن دلالته الرمزية تتجاوز الفكرة التنظيمية لتلامس عمق الوجدان الجمعي للمسلمين. فهو يربط الأجيال المتعاقبة برباط حي لا ينقطع مع الرعيل الأول، ويذكرهم دائماً باللحظة الفارقة التي تحولت فيها الدعوة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن التشتت إلى الوحدة والاستقرار وصناعة التاريخ.
وتتجلى الأهمية الدينية والتشريعية للتقويم الهجري في ارتباطه المباشر بأركان الدين وفروضه العينية والاجتماعية؛ فالالشعائر التعبدية الكبرى في الإسلام كالصيام وحساب الزكاة السنوية وتحديد مواقيت الحج الأكبر، كلها أحكام معلقة برؤية الأهلة وحركة الشهور القمرية، مما يجعل الحفاظ على هذا النظام السنوي التزاماً بالهوية ومحافظةً على شعائر الأمة الحية المتوارثة.
إن تداول الشهور الهجرية يعيد إحياء القيم الإنسانية النبيلة المرتبطة بكل شهر، من قيم التضحية والصبر المرتبطة برحلة الهجرة، إلى معاني الإخاء والمواساة، والتأكيد على عالمية الرسالة الإسلامية وقدرتها على بناء مجتمعات تسودها العدالة والنظام، مما يجعل التقويم الهجري بوصلة زمنية وأخلاقية مستمرة للأمة.
ومن الجدير بالذكر أن هذا النظام لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل جاء نتاج رؤية استراتيجية وتنظيمية عبقرية في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حينما اتفقت كلمة الصحابة على جعل الهجرة مبدأ للتاريخ؛ لتظل الأمة مستمسكة بذاكرة الكفاح والبناء، وتتحرك في الحاضر والمستقبل مستندة على قيم العزم والتجديد التي جسدها هذا الحدث الفريد. إن الحفاظ على هذا الميراث لا يمثل مجرد إحياء لذكريات مضت، بل هو صيانة لأبرز القوى الناعمة لحضارتنا، وصك انتماء حقيقي يعزز التماسك الفكري والمجتمعي أمام تيارات العولمة الفكرية التي تسعى لتذويب الخصوصيات الإنسانية.

تم نسخ الرابط