إنَّ النَّفْسَ الإِنْسَانِيَّةَ عَالَمٌ مَائِرٌ بِالأَشْوَاقِ، مَجْبُولٌ عَلَى طَلَبِ التَّمَامِ، وَمِنْ أَعْجَبِ مَا أُودِعَ فِي طَوِيَّتِهَا مِنْ غَرَائِزَ، وَأَشَدِّ مَا نَازَعَهَا مِنْ نَوَازِعَ: هَذَا النُّزُوعُ العَارِمُ إِلَى الخُلُودِ، وَالهَرَبُ المُلِحُّ مِنْ جَلَبَةِ الفَنَاءِ. لَقَدْ خُلِقَ هَذَا الإِنْسَانُ وَفِي تَرْكِيبِهِ سِرٌّ مِنْ سِرِّ البَقَاءِ، فَهُوَ يَعِيشُ الحَاضِرَ بِيَدِهِ، وَيَرْنُو إِلَى الأَبَدِ بِقَلْبِهِ، وَمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي نَظَرِهِ إِلَّا مَعْبَرٌ قَلِقٌ، يَضِيقُ بِهِ ذَرْعًا إِنْ ظَنَّ أَنَّهُ نِهَايَةُ المَطَافِ وَمُنْتَهَى المَلَاذِ.
إِنَّ طَلَبَ الخُلُودِ هُوَ جِمَاعُ الحَرَكَةِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي التَّارِيخِ؛ فَبِهِ شَادَ المُلُوكُ الصُّرُوحَ المُمَرَّدَةَ، وَبِهِ دَبَّجَ الشُّعَرَاءُ القَصَائِدَ الخَالِدَةَ، وَبِهِ حَاوَلَ الجَبَابِرَةُ تَقْيِيدَ الزَّمَانِ بِأَسْمَائِهِمْ. لَكِنَّ شَتَّانَ بَيْنَ خُلُودٍ طَلَبَهُ الطَّامِعُونَ مِنْ مَظَانِّ الفَنَاءِ، فَطَوَتْهُمْ الأَرْضُ فِي كَنَفِهَا نِسْيًا مَنْسِيًّا، وَبَيْنَ خُلُودٍ رَسَمَتْ الشَّرِيعَةُ الغَرَّاءُ مَعَالِمَهُ، وَفَتَحَتْ لِلْعَامِلِينَ أَبْوَابَهُ، فَإِذَا هُوَ غَرْسٌ طَيِّبٌ فِي دُنْيَا زَائِلَةٍ، يُثْمِرُ ذِكْرًا حَسَنًا فِي الأُولَى، وَبَقَاءً أَبَدِيًّا فِي العُقْبَى، حَيْثُ نَعِيمٌ لَا يَنْفَدُ، وَمُلْكٌ لَا يَبْلَى.
مَا خَدَعَ الإِنْسَانَ مِثْلَ وَهْمٍ تَمَلَّكَهُ، أَنَّ بَقَاءَهُ فِي جُثْمَانِهِ، وَأَنَّ خُلُودَهُ فِي جَمْعِ حُطَامٍ مَآلُهُ إِلَى زَوَالٍ. لَقَدْ وَسْوَسَ الشَّيْطَانُ لِلأَبَوَيْنِ قَدِيمًا فَقَالَ: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ}، فَمَا كَانَتْ الشَّجَرَةُ إِلَّا بَابًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، لِيَعْلَمَ البَشَرُ أَنَّ الخُلُودَ لَا يُنَالُ بِعِصْيَانِ الدَّيَّانِ، وَلَا بِالتَّعَلُّقِ بِالمَادِيَّاتِ الفَانِيَةِ.
إنَّ الإِنْسَانَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ هَذَا الهَيْكَلَ العَظْمِيَّ المَكْسُوَّ لَحْمًا، وَإِنَّمَا هُوَ نَفْسٌ عُلْوِيَّةٌ نُفِخَتْ فِيهَا مِنْ رُوحِ اللَّهِ. فَكَيْفَ يَطْلُبُ مَنْ أَصْلُهُ عُلْوِيٌّ بَقَاءً فِي أَرْضٍ سُفْلِيَّةٍ؟! إِنَّ حَقِيقَةَ الأَبَدِ تَبْدَأُ حِينَمَا يُدْرِكُ المَرْءُ أَنَّ عُمْرَهُ الزَّمَنِيَّ لَيْسَ هُوَ المَحْصُورَ بَيْنَ صَرْخَةِ الوِلَادَةِ وَأَنِينِ المَوْتِ، بَلْ هُوَ العُمْرُ الجَزَائِيُّ الَّذِي يَمْتَدُّ رِحَابًا بَعْدَ انْدِثَارِ الجَسَدِ فِي التُّرَابِ. فَمَنْ فَقِهَ هَذَا، جَعَلَ الدُّنْيَا مَزْرَعَةً، وَسَاقَ أَيَّامَهُ سَوْقَ الخَبِيرِ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ مَرْصُودَةٌ، وَكُلَّ لَفْظَةٍ مَكْتُوبَةٌ، وَأَنَّ رَأْسَ المَالِ هُوَ عَمَلٌ يَبْقَى حِينَ يَذْهَبُ كُلُّ مَا تَرَاهُ العُيُونُ.
مَا جَاءَ الإِسْلَامُ لِيُمِيتَ فِي الإِنْسَانِ حُبَّ الخُلُودِ، بَلْ جَاءَ لِيُهَذِّبَهُ وَيُوَجِّهَهُ. فَإِذَا أَرَادَ المَرْءُ أَنْ لَا يَمُوتَ، فَلْيَغْرِسْ فِي نَهَارِ الحَيَاةِ يَدَ الخَيْرِ، فَإِنَّ الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ هِيَ التَّرْجَمَةُ العَمَلِيَّةُ لِلْخُلُودِ الإِنْسَانِيِّ فِي الأَرْضِ. يَمُوتُ العَالِمُ وَتَبْقَى كُتُبُهُ أَلْسِنَةً نَاطِقَةً بِالهُدَى، وَيَمُوتُ المُحْسِنُ وَتَبْقَى صَدَقَاتُهُ أَنْهَارًا جَارِيَةً بِالنَّدَى، وَيَمُوتُ المُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ الحَقِّ فَيَبْقَى أَثَرُهُ عِزًّا تَسْتَدْفِئُ بِهِ الأُمَّةُ فِي مَوَاقِفِ القُرِّ.
هَذَا هُوَ الخُلُودُ الَّذِي يَذُوقُ صَاحِبُهُ حَلَاوَتَهُ فِي الدُّنْيَا؛ حِينَمَا يَرَى أَنَّ نَفْعَهُ يَتَخَطَّى ذَاتَهُ الأَنَانِيَّةَ، لِيَكُونَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ. وَمَا زَالَ لِسَانُ الحَالِ يَهْتِفُ بِمَا قَالَهُ شَوْقِي مُتَأَثِّرًا بِهَذَا المَعْنَى المَجِيدِ:
دَقَّاتُ قَلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ ..... إِنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا..... فَالذِّكْرُ لِلإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي
فَإِذَا كَانَ هَذَا خُلُودَ الذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا، فَمَا ظَنُّكَ بِخُلُودِ الجَنَّةِ فِي الآخِرَةِ؟ حَيْثُ تَقُولُ المَلَائِكَةُ لأَهْلِ الحَقِّ: (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ) وهُنَالِكَ تَنْقَلِبُ الأَمَانِيُّ حَقَائِقَ، وَيُذْبَحُ المَوْتُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَا بَهْجَةَ مَنْ كَانَ بَذْرُهُ صَالِحًا، فَمَحْصُولُهُ بَاقٍ لَا يَطْرَقُ الفَنَاءُ لَهُ بَابًا.
وَمِنْ بَيْنِ شَعَائِرِ الإِسْلَامِ العِظَامِ، تَبْرُزُ فَرِيضَةُ الحَجِّ كَأَنَّهَا المَجْلَى الأَسْمَى، وَالمَعْرَضُ الأَعْظَمُ لِرِحْلَةِ الخُلُودِ البَشَرِيِّ. إِنَّ الحَجَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ سِيَاحَةٍ فِي الأَرْضِ، وَلَا هُوَ رِحْلَةٌ بَدَنِيَّةٌ تَسْتَنْفِدُ الجُهْدَ وَالمَالَ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ عُلْوِيَّةٌ، وَرِحْلَةٌ مَلَكُوتِيَّةٌ، يَذُوقُ فِيهَا المُؤْمِنُ حَلَاوَةَ التَّجَرُّدِ العَارِفِ، وَيَسْتَشْعِرُ فِيهَا بَقَاءَ الرُّوحِ قَبْلَ أَنْ يَنْفَضَّ عَنْهُ غُبَارُ الدُّنْيَا.
لِكَيْ نَصِلَ بِهَذِهِ المَقَالَةِ إِلَى مَدَاهَا البَلاغِيِّ الأَرْحَبِ، سَنَعْمَدُ إِلَى تَفْكِيكِ أَعْمَالِ الحَجِّ وَفْقَ مَعَانِيهَا البَاطِنَةِ وَرَمْزِيَّاتِهَا الخَالِدَةِ، حَيْثُ نَنْسُجُ كُلَّ مَعْنًى بِدِيبَاجَةٍ لُغَوِيَّةٍ فَاخِرَةٍ كَالتَّالِي:
1- الإِحْرَامُ: رَمْزِيَّةُ التَّجَرُّدِ وَخَلْعِ رِدَاءِ الفَنَاءِ
- المَعْنَى البَاطِنُ: خَلْعُ المَلَابِسِ المَخِيطَةِ لَيْسَ إِلَّا خَلْعًا لِلأَهْوَاءِ، وَتَجَرُّدًا مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا الزَّائِفَةِ الَّتِي تَشْغَلُ عَنِ الأَبَدِ، ومن ثم نُصَوِّرُ ثَوْبَيِ الإِحْرَامِ الأَبْيَضَيْنِ كَأَنَّهُمَا الكَفَنُ الَّذِي يَلْقَى بِهِ المَرْءُ رَبَّهُ، فَيَسْتَوِي المَلِكُ وَالمَمْلُوكُ، وَالغَنِيُّ وَالصُّعْلُوكُ، فِي مَشْهَدٍ يُذَكِّرُ بِالعَرْصَاتِ يَوْمَ القِيَامَةِ، حَيْثُ تَبْقَى الحَقَائِقُ عُرَاةً عَنِ المَظَاهِرِ.
3- الطَّوَافُ: رَمْزِيَّةُ المَرْكَزِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ وَأَبَدِيَّةِ الحَرَكَةِ
الطَّوَافُ حَوْلَ البَيْتِ العَتِيقِ (عَكْسَ عَقَارِبِ السَّاعَةِ) هُوَ تَنَاغُمٌ مَعَ حَرَكَةِ الكَوْنِ كُلِّهِ، وَإِعْلَانٌ أَنَّ اللهَ هُوَ مَرْكَزُ الحَيَاةِ وَالمَقْصَدُ الأَسْمَى، وأن الكَعْبَةِ مَحَطَّ الرِّحَالِ وَمَحْوَرَ الدَّوَرَانِ، يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللهِ زَائِلٌ، وَأَنَّ الحَرَكَةَ نَحْوَ الحَقِّ هِيَ الحَرَكَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي لَا تَعْرِفُ السُّكُونَ الوَخِيمَ.
3- السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ: رَمْزِيَّةُ الكَفَاحِ المُسْتَمِرِّ وَخُلُودِ الأَثَرِ
إِحْيَاءُ ذِكْرَى أُمِّنَا هَاجَرَ، الَّتِي سَعَتْ طَلَبًا لِلْمَاءِ، يُعَلِّمُنَا أَنَّ السَّعْيَ فِي سَبِيلِ الحَيَاةِ وَالحَقِّ لَا يَضِيعُ، وَأَنَّ الأَمَلَ بِاللهِ هُوَ مَادَّةُ البَقَاءِ، وكَيْفَ خَلَّدَ اللهُ رَكْضَةَ امْرَأَةٍ صَابِرَةٍ وَجَعَلَهَا نُسُكًا لِلْجَبَابِرَةِ وَالعُلَمَاءِ وَالمُلُوكِ؟ إِنَّهُ تَعْظِيمُ الإِسْلَامِ لِلْجُهْدِ الصَّادِقِ، فَالعَمَلُ إِذَا ارْتَبَطَ بِاللهِ كُتِبَ لَهُ الخُلُودُ وَإِنْ بَدَا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ بَسِيطًا.
4- الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ: المَشْهَدُ المُصَغَّرُ لِلْخُلُودِ الأَكْبَرِ
عَرَفَاتُ هُوَ يَوْمُ المَعْرِفَةِ وَالاعْتِرَافِ، وَهُوَ المَوْقِفُ الَّذِي يَتَجَلَّى فِيهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ بِالمَغْفِرَةِ، فَيَعُودُ المَرْءُ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وفيه صِيَاغَةُ مَشْهَدِ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ جِلْبَابُ القِيَامَةِ المُصَغَّرُ؛ ضَجِيجٌ بِالأَصْوَاتِ، وَاخْتِلَافٌ فِي اللُّغَاتِ، وَتَوَجُّهٌ إِلَى مَلِكِ المُلُوكِ. هُنَا يَذُوقُ الحَاجُّ فَنَاءَ ذَاتِهِ وَبَقَاءَ رَجَائِهِ فِي خَالِقِهِ.
5- رَمْيُ الجِمَارِ: رَمْزِيَّةُ الخُصُومَةِ الخَالِدَةِ مَعَ البَاطِلِ
- لَيْسَ الرَّمْيُ حَرْبًا مَعَ أَعْمِدَةٍ حَجَرِيَّةٍ، بَلْ هُوَ تَجْدِيدٌ لِلْعَهْدِ عَلَى عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ، وَرَمْيٌ لِلشَّهَوَاتِ النَّفْسِيَّةِ الدَّخِيلَةِ، وفيه تَصْوِيرُ المَعْرَكَةِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ كَمَعْرَكَةٍ أَبَدِيَّةٍ لَا تَنْتَهِي بَانْتِهَاءِ المَنَاسِكِ، بَلْ هِيَ إِعْلَانٌ عَنْ خُلُودِ المَبْدَأِ الإِيمَانِيِّ فِي مُوَاجَهَةِ الإِغْوَاءِ.
وَهَكَذَا، يَنْجَلِي الحَجُّ فِي مِرْآةِ البَصِيرَةِ عَنْ رِحْلَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ تَنْقُلُ الإِنْسَانَ مِنْ ضِيقِ الفَنَاءِ إِلَى سَعَةِ الخُلُودِ، وإِنَّ الأُمَّةَ الإِسْلَامِيَّةَ الَّتِي تَحُجُّ كُلَّ عَامٍ إِلَى هَذَا المَعْنَى، أُمَّةٌ جَدِيرَةٌ بِأَنْ لَا تَمُوتَ، وَجَدِيرَةٌ بِأَنْ تَقُودَ الرَّكْبَ الإِنْسَانِيَّ حِينَ تَتَفَكَّكُ مَدَنِيَّاتُ المَادَّةِ الطَّاغِيَةِ. إِنَّ "ثِمَارَ الخُلْدِ" دَانِيَةٌ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَهَا بِالعَمَلِ الصَّالِحِ وَبِإِحْيَاءِ رُوحِ الشَّعَائِرِ، وَمَا الحَجُّ إِلَّا المَدْرَسَةُ الكُبْرَى الَّتِي تُعِيدُ صِيَاغَةَ الإِنْسَانِ لِيَكُونَ خَلِيفَةً حَقِيقِيًّا، يَعْمُرُ الأَرْضَ بِالهُدَى، وَيَرْجُو الجَنَّةَ فِي المُنْقَلَبِ.