من وسط البلد إلى الوحدات الصحية.. حكايات صادمة من عالم الأطباء المزيفين في مصر
في واقعة جديدة تعيد فتح ملف انتحال صفة الأطباء في مصر، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على طبيب قلب شهير يُدعى (و.م)، تنفيذًا لحكم قضائي نهائي بالسجن 10 سنوات، بعد إدانته في جرائم تزوير مؤهلات علمية، وانتحال صفة أكاديمية داخل جامعة عين شمس، فضلًا عن تزوير 4 بطاقات رقم قومي.
لكن خلف هذه الواقعة التي هزّت الأوساط الطبية، تتكشف خيوط أوسع لأزمة ممتدة، تمتد من عيادة في وسط البلد إلى وحدات صحية في الأقاليم، ومن مراكز تجميل غير مرخصة إلى غرف عمليات بدائية داخل منازل ريفية، حيث تتكرر القصة ذاتها: أشخاص بلا مؤهلات طبية يمارسون الطب باسم القانون أو مستترين خلف أوراق مزورة.
طبيب القلب الوهمي.. سقوط واجهة علمية مزيفة
وبحسب التحريات، فإن المتهم الذي عُرف داخل بعض الأوساط الطبية بلقب “طبيب القلب الشهير”، تبين أنه لا يمت لمهنة الطب بصلة، إذ كشفت التحقيقات أنه مفصول من كلية الألسن، ورغم ذلك تمكن من بناء واجهة مهنية زائفة، تضمنت فتح عيادة خاصة بمنطقة وسط البلد بالقاهرة، والانخراط في محيط مهني أوحى للمرضى بأنه استشاري قلب.
المفاجأة الأكبر التي أظهرتها التحريات الأمنية أن المتهم سبق صدور عدد كبير من الأحكام القضائية بحقه، وأنه كان محل متابعة أمنية حتى تنفيذ الحكم النهائي وضبطه وترحيله إلى قسم شرطة الوايلي.
جامعة عين شمس: لا صلة لنا بالمتهم
في أول رد رسمي، نفت جامعة عين شمس أي علاقة لها بالمتهم، مؤكدة في بيان أن المذكور “لا تربطه أي صلة حالية أو سابقة بالجامعة أو المستشفيات الجامعية”.
وشددت الجامعة على أنها تتعامل بحسم مع أي محاولات لتزوير اسمها أو استغلاله، مؤكدة دعمها الكامل لإجراءات الدولة في مكافحة جرائم انتحال الصفة والتزوير، خاصة تلك التي تمس القطاع الصحي الذي يتعلق مباشرة بأرواح المواطنين.
انتحال داخل الوحدة الصحية… عندما يتحول التوأم إلى بديل طبي
وقبل هذا المشهد المعقد، وتحديدًا في يناير 2026، كانت محافظة البحيرة على موعد مع واقعة لا تقل غرابة، حين اكتشفت الأجهزة الأمنية أن شابًا حاصلًا على بكالوريوس علوم، انتحل صفة شقيقه التوأم الطبيب، وعمل داخل وحدة صحية حكومية لمدة قاربت عامين كاملين.
القضية بدأت حين كشفت التحريات أن الطبيب الحقيقي، الذي حصل على فرصة عمل خاصة، لم يستطع الحصول على إجازة من عمله الحكومي، فتم التوصل إلى اتفاق بينه وبين شقيقه التوأم لتولي العمل بدلًا منه، مستغلًا التشابه الكامل بينهما.
داخل الوحدة الصحية، كان “الطبيب البديل” يستقبل المرضى ويباشر الحالات وكأنه يحمل مؤهلًا طبيًا حقيقيًا، إلى أن كشفت تحريات مركز شرطة شبراخيت الحقيقة، ليتم ضبط المتهمين وإحالتهما إلى النيابة العامة بتهم التزوير وانتحال الصفة وممارسة الطب بدون ترخيص، في واقعة وضعت علامات استفهام حول آليات التحقق داخل بعض المنشآت الصحية.
وفي مايو 2025، ألقت مديرية الشؤون الصحية بالشرقية القبض على مواطن انتحل صفة “استشاري نفسي”، وأدار عيادة غير مرخصة في مدينة العاشر من رمضان، في حلقة جديدة من سلسلة متكررة من التجاوزات.
مراكز تجميل وفضاء الإنترنت
ولم تعد الظاهرة حبيسة المستشفيات أو الوحدات الصحية، بل امتدت إلى مراكز تجميل وفضاء الإنترنت، ففي أغسطس 2024، تم ضبط مهندسة تدير مركز تجميل وتنتحل صفة طبيبة، وتقوم بإجراء تدخلات طبية دون ترخيص.
وفي السياق ذاته، ظهرت نماذج لأشخاص يقدمون استشارات طبية عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، دون أي أساس علمي أو ترخيص مهني.
مأساة في صعيد مصر
في قرية نائية بصعيد مصر، لا تبدو التفاصيل مجرد جريمة تزوير، بل مأساة إنسانية مكتملة الأركان، ففي فبراير 2022، خضعت طفلة في الثامنة من عمرها لعملية ختان داخل منزل أسرتها بقرية المنصورية في محافظة أسوان، أجراها شاب لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، دون أي مؤهل طبي، ودون أي إشراف، مستخدمًا أدوات بدائية.
والنتيجة كانت نزيفًا حادًا كاد أن يودي بحياة الطفلة، في واقعة كشفت الوجه الأكثر خطورة لانتحال صفة الطبيب، حيث لا يقتصر الأمر على أوراق مزورة أو عيادات وهمية، بل يمتد إلى تدخلات جراحية مباشرة تُجرى خارج أي إطار قانوني أو طبي.
وفي عام 2019، ضبطت أجهزة الأمن عدة حالات مماثلة، من بينها طالب جامعي ارتدى المعطف الأبيض داخل مستشفى جامعي، وآخرون انتحلوا صفة أطباء في المنيا والدمرداش والمنوفية، بعضهم استخدم أوراقًا مزورة وكارنيهات نقابية غير حقيقية.