"بانكسي العراق".. عراقي يحول أخرام الرصاص إلى لوحات فنية
في المدن التي أنهكتها الحروب، حيث تتناثر آثار الرصاص على الجدران وتختلط الذكريات المؤلمة بأنقاض المباني، اختار الفنان العراقي مخلّد حبيب أن يرى ما لا يراه الآخرون.

فبينما ينظر كثيرون إلى الخراب بوصفه نهاية، يراه هو بداية لحكاية جديدة يمكن أن تُروى بالألوان.
من الموصل العراقية إلى حلب السورية، حمل حبيب فرشاته وسار وسط الأماكن التي تركت فيها الحروب ندوبها العميقة، ليحوّل تلك الندوب إلى رسائل حياة وأمل.
عندما تتحول ثقوب الرصاص إلى لوحات
لم يكن هدف مخلّد حبيب إخفاء آثار الحرب أو طمسها، بل العكس تمامًا. فكل ثقب رصاصة على جدار متهالك يتحول في نظره إلى نقطة انطلاق لعمل فني جديد.
يقول الفنان العراقي إن فكرة مشروعه ولدت من مشهد اعتاد رؤيته يوميًا في المدن المتضررة، حيث أصبح الدمار جزءًا من تفاصيل الحياة. لكنه أراد أن يكسر هذا الاعتياد القاسي، وأن يعيد شيئًا من الفرح إلى وجوه الناس.

بالنسبة له، فإن ابتسامة عابرة أو نظرة دهشة من أحد المارة تعني أن رسالته وصلت، وأن الجمال لا يزال قادرًا على البقاء حتى في أكثر الأماكن قسوة.
الذاكرة لا تُمحى بالألوان
يرفض حبيب أن تكون إعادة الإعمار مرادفًا لمحو الماضي. لذلك يترك آثار الرصاص واضحة داخل أعماله الفنية، لتظل شاهدة على ما حدث.
ويؤمن بأن هذه العلامات ليست مجرد ندوب على الجدران، بل رسائل موجهة إلى العالم وإلى صناع الحروب، تذكّرهم بأن خلف كل ثقب قصة إنسان وحياة تأثرت بالصراع.
رحلة محفوفة بالمخاطر
لم تكن مهمة الرسم وسط المدن المدمرة سهلة أو آمنة. فقد عمل الفنان في ظروف صعبة، وكانت زوجته ترافقه وتسانده في رحلته الفنية والإنسانية.

ويتذكر حادثة كادت أن تنهي مسيرته، عندما تعرض لإصابة نتيجة انفجار مادة مذيبة بفعل الحرارة أثناء عمله. لكن ما حدث بعد ذلك ترك أثرًا أعمق في نفسه؛ إذ سارع السكان المحليون إلى مساعدته والوقوف إلى جانبه.
ذلك الموقف، كما يقول، منحه دافعًا أكبر للاستمرار، وجعل فنه وسيلة لتوثيق صمود هؤلاء الناس ونقل قصصهم إلى العالم.
"بانكسي العراق" وصوت التعايش
بفضل أعماله التي انتشرت على جدران المدن المتضررة، أطلق كثيرون على مخلّد حبيب لقب "بانكسي العراق"، تشبيهًا له بفنان الغرافيتي البريطاني الشهير.
لكن الفنان العراقي يرى أن رسالته تتجاوز الفن نفسه. فهو ابن منطقة عُرفت عبر التاريخ بتنوعها الديني والثقافي، حيث تعايشت اليهودية والمسيحية والإسلام وأسهمت جميعها في صناعة إرث حضاري وإنساني غني.

ومن خلال لوحاته، يسعى إلى الاحتفاء بهذا التنوع والتأكيد على أن المجتمعات لا يمكن اختزالها في صورة واحدة أو هوية واحدة.
حلب التي غيّرت نظرته إلى الحياة
عندما عاد إلى مدن عانت ويلات الحرب، مثل حلب السورية، اكتشف دروسًا جديدة عن الإنسان وقدرته على الصمود.
هناك أدرك أن الأنظمة القمعية والحروب مهما بدت قوية فهي مؤقتة، بينما يبقى الإنسان أكثر قدرة على الاستمرار والتجدد. ومن هذه القناعة بات يدعو إلى إعادة التفكير في خيارات البشر، وإلى منح الحب مساحة أكبر من الكراهية، والتعايش مكان الصراع.
اصنعوا الموسيقى لا الحرب
في نهاية كل حكاياته الفنية تقريبًا، تتردد رسالة واحدة لا يملّ من تكرارها: "اصنعوا الموسيقى لا الحرب".
بالنسبة لمخلّد حبيب، ليست هذه العبارة شعارًا فنيًا يزين الجدران، بل موقفًا إنسانيًا كاملًا تشكل من سنوات طويلة من مشاهدة الدمار والنجاة منه. وبينما تترك الحروب ثقوبها في الجدران، يواصل هو ملأها بالألوان، مؤمنًا بأن الفن قد لا يوقف الحروب، لكنه قادر على تذكير الناس دائمًا بإنسانيتهم.