تُظهر الأدبيات الاقتصادية الحديثة أن تمركز الأنشطة الاقتصادية في نطاق جغرافي محدود يؤدي إلى اختلالات هيكلية تشمل ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض الإنتاجية وزيادة الضغط على البنية التحتية وفي مصر يتركز أكثر من 95% من السكان على 10% من مساحة مصر وأصبح إعادة توزيع النشاط الاقتصادي ضرورة وليست خيارًا تنمويًا وتبرز مدينة العلمين الجديدة بوصفها أحد أدوات مصر لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية ليس فقط عبر التوسع العمراني بل من خلال بناء نموذج تنموي متعدد الوظائف يدمج بين الإنتاج والخدمات والسياحة واللوجستيات ومع تشييد المنطقة الصناعية جنوب العلمين وربطها بشبكات طرق ومحاور حديثة تتحول العلمين الجديدة من مشروع ساحلي إلى "منصة اقتصادية متكاملة" ذات بعد إقليمي ، ونعرض لعدد من المحاور فى هذا الخصوص:-
أولاً: تجاوز حجم الاستثمارات في العلمين الجديدة 400 مليار جنيه مع استهداف استيعاب ما يزيد عن 3 ملايين نسمة وجذب نحو 8 ملايين سائح سنويًا والتحول من نموذج "المدن الموسمية" المرتبطة بالسياحة الصيفية الى تأسيس العلمين لتعمل على مدار العام مدعومة ببنية تحتية ذكية تشمل شبكة طرق متطورة ومطارات وربط بالقطار الكهربائي السريع وهذا التحول يضع العلمين ضمن فئة المدن العالمية القادرة على تأسيس اقتصاد دائم وليس مؤقت .
ثانياً: يمثل إنشاء منطقة صناعية جنوب العلمين نقطة التحول الأكثر أهمية فالتجارب الدولية تؤكد أن المدن الساحلية التي تعتمدعلى السياحة والعقارات تبقى عرضة للتقلبات بينما المدن التي تدمج الصناعة مع السياحة تحقق استدامة أعلى وتتمتع المنطقة الصناعية الجديدة بالعلمين بمزايا تنافسية منها القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية مما يقلل زمن وتكلفة الشحن والارتباط بمشروعات زراعية ضخمة مثل الدلتا الجديدة (2.2 مليون فدان) مما يدعم الصناعات الغذائية والتوسع في الصناعات الخضراء المرتبطة بالطاقة المتجددة وبذلك تتحول إلى مركز للصناعات التصديرية الخفيفة والمتوسطة خاصة في ظل اتجاه الشركات العالمية لإعادة توزيع سلاسل الإمداد والتوريد بعيدًا عن آسيا.
ثالثاً: البنية التحتية كرافعة تنافسية حيث أعادت مصر رسم خريطة الحركة الاقتصادية عبر محور الضبعة الذي يربط القاهرة بالساحل الشمالي خلال نحو 3 ساعات مع تطوير الطريق الساحلي الدولي والبدء فى تشييد مشروع القطار الكهربائي السريع الذي يربط العلمين بالقاهرة والبحر الأحمر والصعيد مما يخفض تكاليف النقل بنسبة من 30–40% وهو عامل حاسم في تحسين القدرة التنافسية للصادرات المصرية.
رابعاً: تمثل العلمين الجديدة أداة مباشرة لتوسيع الرقعة المأهولة من أرض مصر فبدلاً من استمرار التكدس في القاهرة والدلتا تتيح العلمين نموذجًا لنقل الكتلة السكانية والأنشطة الاقتصادية إلى الساحل الشمالي الغربي ويترتب على ذلك تخفيف الضغط على المدن التقليدية وتأسيس مجتمعات عمرانية جديدة ذات جودة حياة أعلى ورفع إنتاجية العمل نتيجة تقليل زمن التنقل وتحسين البيئة الحضرية.
خامساً: التكامل الاستراتيجي مع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وصياغة نموذج تنموي قائم على "جناحين اقتصاديين:-
-جناح شرقي يتمثل في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يركز على التجارة العالمية والصناعات الثقيلة.
-جناح شمالي غربى يتمثل في العلمين الجديدة يركز على الصناعات الخفيفة والسياحة والخدمات.
وهذا التكامل يتيح لمصر تقديم نفسها كمنصة إنتاج متعددة المواقع حيث يمكن نقل مدخلات الإنتاج عبر قناة السويس أو بالبر ثم إعادة تصنيعها أو تجميعها في العلمين وتصديرها إلى أوروبا.
سادساً: لتحقيق أقصى استفادة من العلمين الجديدة يمكن تبني حزمة من السياسات أهمها:-
- إنشاء منطقة اقتصادية مشتركة مع الاتحاد الأوروبي جنوب العلمين لتشجيع الإنتاج المشترك.
- تحويل المدينة إلى مركز إقليمي لخدمات التعهيد مستفيدًا من القرب الجغرافي من أوروبا وتسريع إنشاء ممر لوجستي مباشر يربط بين العلمين والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس لتقليل زمن نقل البضائع.
- تطوير مجمعات صناعية للصناعات الغذائية والتعبئة والتغليف المرتبطة بالدلتا الجديدة.
سابعاً: يمتد أثر العلمين الجديدة إلى المواطن المصري عبر توفير فرص عمل مستدامة في قطاعات متعددة وزيادة الدخول نتيجة تنوع الأنشطة الاقتصادية وتحسين جودة الحياة عبر مدن حديثة مخططة ودعم الصادرات وتقليل عجز الميزان التجاري أما على المستوى الكلي، يمكن أن تسهم هذه المشروعات في رفع معدل النمو الاقتصادي وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز استقرار الاقتصاد المصري.
هذا، والعلمين الجديدة ليست مجرد مدينة بل اختبار حقيقي لقدرة مصر على الانتقال من اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والعقار إلى اقتصاد إنتاجي ومع تفعيل البعد الصناعي واللوجستي للمدينة وربطها بشكل ذكي بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس فإن مصر قد تمتلك لأول مرة نموذجًا متكاملًا لجناحين اقتصاديين قادرين على قيادة التنمية المستدامة، والسؤال لم يعد هل تنجح العلمين؟ بل أصبح هل نستطيع تحويلها إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة موقع مصر في الاقتصاد العالمي؟