في كل مرة يواجه فيها الوطن تحدياً استراتيجياً أو تتقاطع دروبه مع أزمات إقليمية ودولية معقدة أو ازمة مفتعلة .. يخرج علينا فريق من المحللين الجاهزين لإطلاق التهمة المعلبة سابقة التجهيز لكل من يتحدث عن وجود مؤامرة ضد مصر بأنه من أنصار نظرية المؤامرة حتى تحولت هذه العبارة في الآونة الأخيرة إلى سوط إعلامي ونفسي يُرفع في وجه كل من يحاول قراءة المشهد برؤية أعمق بهدف تسطيح الوعي وتصوير مصر كأنها تعيش في كوكب معزول لا تحكمه صراعات النفوذ والمصالح الكبرى.
ولكن .. هل السعي لحماية "الأمن القومي" وكشف مخططات استهداف الاستقرار هو نوع من الخرافة أو الوهم كما يدعون ؟؟ أم أن النفي المطلق لوجود مخططات تستهدف الدولة المصرية هو نوع من السذاجة السياسية .. إن لم يكن أسوأ ؟؟
أولا لابد من وضع حد فاصل بين مفهومين .. فنحن لا نتحدث عن "فوبيا المؤامرة الكونية" التي تبرر كل تقصير داخلي بـ "شماعة الخارجي" .. فتلك بالفعل عقلية عاجزة .. لكن ما نتحدث عنه هو "علم إدارة المصالح والأمن القومي .. وهناك بالفعل دول تسعى لتعظيم نفوذهاعلى حساب الآخرين وإضعاف منافسيها الإقليميين .. ومصر بموقعها وتاريخها وثقلها البشري وجيشها هي الرقم الصعب في معادلة الشرق الأوسط .. وبالتالي فإن محاولات تحجيم دورها أو محاصرتها ليست وهماً بل هي جوهر السياسة الواقعية التي يجب علينا أن ندرك توابعها وحقيقتها ..
كلامنا ليس مجرد اجتهادات فهناك الكثير والكثير من الشواهد الحية .. والأمثلة التي لا تكذب من واقعنا المعاصر ..وعلى من يتهمون من يرى الاستهداف والمؤامرات بأنه يعيش في الأوهام وأنه من أنصار نظرية المؤامرة أن يجيبوا عن أسئلة الواقع والشواهد التاريخية القريبة والبعيدة .. ومنها على سبيل المثال لا الحصر .. حروب الجيل الرابع والخامس ومحاولات تزييف الوعي والسيولة الأخلاقية ..فالاستهداف الداخلي الحديث لا يأتي بالطائرات والدبابات بل عبر الهواتف الذكية وتوجيه الرأي العام ومحاولات تدمر القيم والأخلاق بل والأديان .. أليس ما نشهده من تمويل ودعم لمنصات رقمية "ممنهجة" تبث الإحباط وتروج للابتذال الرقمي.. وتعمل على تفتيت الهوية والمنظومة الأخلاقية للشباب المصري هو مخطط مدروس لتفكيك الكتلة الحرجة للمجتمع من الداخل؟؟ إن السعي لتمييع القيم ليس عشوائياً بل هو أداة لإضعاف مناعة الوطن وتفتيت الجبهة الداخلية !!
وفي ملف المحاولات المستمرة لحصار مصر والسيطرة على المياه .. هل يمكن أن تكون الضغوط المستمرة على الحدود الاستراتيجية لمصر سواء في ملف الأمن المائي ومحاولات التحكم في شريان الحياة (نهر النيل) أو الاضطرابات المصطنعة والمستدامة على الحدود الشرقية والغربية والجنوبية هي مجرد "مصادفات بحتة"؟ إن قراءة خريطة الأزمات المحيطة بمصر تؤكد وجود رغبة دولية وإقليمية لإبقاء الدولة المصرية في حالة استنزاف دائم وإشغالها بملفاتها الحدودية عن ممارسة دورها الريادي..
ونظرة واحدة لتاريخ حروب الاستنزاف الاقتصادي واستهداف العملة الوطنية ومحاولات ضرب مصادر الدخل القومي كالسياحة وقناة السويس عبر افتعال أزمات أمنية وسياسية في الممرات الملاحية كلها أدوات ضغط اقتصادية تُستخدم كأوراق مساومة سياسية ضد الإرادة المصرية.
إن شواهد التاريخ القريب ومحاولات نشر(الفوضى الخلاقة) ليست ببعيدة .. فهل نسينا مصطلح "الشرق الأوسط الجديد" و"الفوضى الخلاقة" الذي أعلنته قوى دولية علناً في عقود سابقة ؟؟ .. إن محاولات إعادة تقسيم المنطقة وتفتيت الدول القوية إلى دويلات طائفية أو عرقية كانت مصر هي الجائزة الكبرى فيه .. ولولا تماسك مؤسساتها الوطنية لكان المصير كمصير دول جوار لا تزال تعاني من آثار المؤامرة الكبرى التي نجحت بالفعل فيها .
إن اتهام الوطنيين بأنهم من أنصار "نظرية المؤامرة" هو محاولة لتعطيل "مجسات الإنذار المبكر" لدى النخب الفكرية والإعلامية. وكما أن الاستسلام التام لفكرة أننا ضحايا لمؤامرة لا فكاك منها هو شلل للعقل .. فإن "إنكار وجود المخططات" هو انتحار استراتيجي .. والعلاج الحقيقي والمواجهة لا يكونان بإنكار الواقع .. بل ببناء الإنسان وتحصين الجبهة الداخلية .. فعندما نتحدث عن مبادرات لاستعادة الوعي والأخلاق وضبط الفضاء الرقمي فنحن نسد الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها أي استهداف خارجي أو داخلي..
إن مصرعبر تاريخها الممتد لآلاف السنين لم تكن يوماً دولة عابرة بل كانت دائماً قلب العالم النابض .. وقلب العالم لا يُترك وشأنه.. وقراءة المخططات ليست "نظرية مؤامرة" بل هي أصل من أصول "الأمن القومي".. فلنحذر من الأصوات التي تريد منا إغلاق أعيننا في وقت نحتاج فيه إلى أعلى درجات اليقظة والوعي فالمؤامرات لا يُبطلها ويفسدها ويواجهها إلا العقلاء والوطنيون والمستنيرون بفهمهم الحقيقي لواقع بلادهم..