عاجل

لا خلاف أبدًا على أن الطفل يحتاج إلى أبيه كما يحتاج إلى أمه، وأن صلة الرحم مع الجد والجدة والأعمام والعمات حق أصيل للطفل قبل أن تكون حقًّا للكبار. لكن أي نظام للاستزارة أو الاستضافة لا يمكن أن ينجح إذا قام على مخاوف طرف أو تجاهل حقوق طرف آخر، فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون مصلحة الطفل الفضلى.

وللعلم والإحاطة، كثيرًا من الأمهات لا يعترضن على قضاء أبنائهن وقتًا مع آبائهم وأسرهم، لكن التخوف الحقيقي يكمن في سؤال مشروع: ما الضمانات التي تكفل عودة الطفل إلى بيته وللحاضنة في الموعد المحدد؟ وما الذي يطمئن الأم إلى سلامة طفلها أثناء فترة الاستضافة؟

ولكي يحقق نظام الاستزارة أهدافه الاجتماعية والإنسانية، لا بد من وجود ضمانات قانونية واضحة وحاسمة، أهمها:

أولًا: التحقق من صلاحية مكان الاستضافة

يجب التأكد من أن المنزل الذي سيقيم فيه الطفل بيئة آمنة ومناسبة، خالية من أي مخاطر تهدد سلامته الجسدية أو النفسية، وألا يكون هناك أشخاص صدرت ضدهم أحكام في جرائم عنف أو اعتداء أو تعاطي مواد مخدرة أو أي سلوك يهدد الطفل، ومعرفة مَن قائم مع الأب وظروفه السابق ذكرها.

ثانيًا: ضمان عدم ترك الطفل دون رعاية في حالة غياب الأب

إلزام الأب بأن يكون مسؤولًا عن الطفل خلال فترة الاستضافة، وألا يتركه بمفرده أو في رعاية أشخاص غير معروفين أو غير مؤهلين، مع حق الأم في التواصل مع طفلها والاطمئنان عليه بصورة معقولة ومنظمة.

ثالثًا: إثبات الاستلام والتسليم

على أن يتم إثبات استلام الطفل وتسليمه في مواعيد محددة وواضحة، بما يمنع أي نزاع أو ادعاءات متبادلة مستقبلية ويضمن الحفاظ على حقوق جميع الأطراف.

رابعًا: منع السفر أو نقل الطفل دون موافقة قانونية كتابية من قبل الطرفين

ويفضل أن يكون حكمًا تكميليًّا مع الحكم بالاستزارة، ويفضل وجود قرار إداري بالرقابة الرقمية بالتنسيق بين وزير العدل ووزير الاتصالات. يجب حظر سفر الطفل أو نقله إلى محافظة أو دولة أخرى خلال فترة الاستضافة إلا بموافقة مكتوبة أو بإذن قضائي، حماية لاستقرار الطفل ومنع أي محاولات لإبعاده عن الحاضنة.

خامسًا: عقوبات رادعة عند الامتناع عن إعادة الطفل إلى الحاضنة

وكذلك لو امتنعت الحاضنة عن تسليمه لطالب الحضانة تتوفر عقوبة، ويوجد فعليًّا عقوبة عدم تنفيذ حكم قضائي بالقانون العام. وللعلم كذلك، إذا امتنع الأب عن إعادة الطفل في الموعد المحدد، فلا يكفي مجرد التنبيه أو الإنذار، بل يجب أن تكون هناك عقوبات متدرجة وحازمة تشمل: 

وقف حق الاستضافة مؤقتًا (مثله مثل سقوط الحق في الحضانة مؤقتًا للأم في حالة عدم إحضار الصغير ميعاد الرؤية)، وغرامات مالية كبيرة عن كل مخالفة (وتعويضات). 

اعتبار الامتناع عن إعادة الطفل صورة من صور احتباس الصغير أو احتجازه بالمخالفة للقانون، والحبس في حالات التكرار أو التعمد. 

سقوط حق الاستضافة نهائيًّا إذا ثبت سوء النية أو الإضرار بالطفل أو الحاضنة أو التكرار والعود.

سادسًا: مراعاة رأي الطفل وسنه

كلما تقدم الطفل في العمر، يجب الاستماع إلى رأيه ولو على سبيل الاستدلال ومشاعره وظروفه النفسية؛ لأن الطفل ليس حقيبة تنقل بين المنازل، بل إنسان له احتياجات واستقرار نفسي يجب احترامه، وكذلك حالته الصحية مع ضرورة وجود الاستثناء في حالة الطفل المعاق أو عندما يكون أقل من خمس سنوات.

سابعًا: الرعاية المشتركة لا الصراع المشترك

الهدف من الاستضافة ليس انتزاع الطفل من أمه، ولا حرمان الأب من دوره، بل بناء نموذج للرعاية المشتركة يحافظ على ارتباط الطفل بوالديه معًا ويمنحه فرصة طبيعية للتواصل مع عائلته من جهة الأب والأم دون صراعات أو انتقام متبادل.

أخيرًا

إن نجاح أي قانون للأسرة لن يقاس بعدد المواد أو العقوبات فقط، بل بقدرته على تحقيق المعادلة الصعبة، وتجنب المصالح الشخصية أو الغرض الباطن الشخصي، ولتكوين طفل آمن ومستقر، وأم مطمئنة، وأب سند وصاحب وناصح ودوره فعال في حياة أبنائه. فالطفل ليس مكسبًا من مكتسبات أي طرف، ولا يجوز أن يكون طرفًا أصلاً في أي نزاع بين الكبار وليس وسيلة ضغط بين الأبوين، وإلا كأننا ننشئ مجرمًا مستقبليًّا أو شخصًا مهزوزًا، وإنما هو أمانة يجب أن تتكاتف القوانين والضمائر لحمايتها. وإذا كانت الاستزارة حقًّا للأب، فإن الطمأنينة حق للأم، والأمان والاستقرار حق أصيل للطفل لا يجوز المساس به.

تم نسخ الرابط