لم تكن العصافرة يومًا كما نراها الآن .. حكاية منطقة ابتلعتها العشوائية
لم تكن العصافرة يومًا كما نراها الآن.
كانت فتاة صغيرة بريئة الملامح، تتزين بالرمال من كل اتجاه، وتغفو على أطراف المدينة في هدوء، كانت صحراء في بعض الخرائط، لكنها ظلت تحمل اسمها الجميل "العصافرة"، وكأن القدر كان يدخر لها حكاية مختلفة.

مرت السنوات، وبدأ العمران يزحف إليها شيئًا فشيئًا، ما بعد محطة فيكتوريا لم يكن سوى مساحات واسعة من الرمال الخالية، ثم تحولت تلك المساحات إلى كتل سكنية ضخمة، حتى أصبحت العصافرة واحدة من أكثر مناطق الإسكندرية كثافة سكانية.

في قلب تلك المنطقة، وقف المعهد الأزهري العريق، أو كما يعرفه الجميع حتى اليوم "المعهد الديني" عشرات السنين مرّت على هذا الصرح الذي تخرج منه آلاف الطلاب وحفظة القرآن والعلماء والدعاة.

كان المكان منارة للعلم، يقصده الطلاب بحثًا عن المعرفة، وتحمل جدرانه تاريخًا طويلًا من التعليم الأزهري.
لكن المفارقة المؤلمة أن اسم المعهد لم يعد يرتبط في أذهان كثيرين بالعلم أو الأزهر، بل ارتبط بسوق عشوائي التصق بالمكان حتى أصبح يطلق عليه "سوق المعهد الديني".

قبل نحو ثلاثين عامًا بدأت الحكاية
جاء الباعة من محافظات مختلفة، وافترشوا الأرصفة، وكان الأمر يبدو طبيعيًا في بدايته، كسوق شعبي يشبه أسواق محطة مصر أو باكوس أو شادية بكامب شيزار.
ولم يكن أحد يتخيل أن يتحول الأمر مع مرور الزمن إلى أزمة مزمنة تلتهم الشوارع والأرصفة وحق المواطنين في الحركة.

ومع مرور السنوات، تمدد السوق شيئًا فشيئًا،اختفت الأرصفة تحت أقدام الباعة، وضاقت الشوارع بالمشاة والسيارات، وتراكمت المخلفات وبقايا الخضروات والفاكهة التالفة.
وأصبح المواطن الذي يبحث عن رغيف خبز أو طريق آمن للسير، مضطرًا إلى عبور ممرات ضيقة تفوح منها الروائح الكريهة وتحيط بها أكوام القمامة من كل جانب.

لم يعد المعهد الديني هو المعهد الديني.
صار السوق هو العنوان الأول، وبات الاسم العلمي والتاريخي للمكان يتوارى خلف مشهد يومي من الفوضى والعشوائية.
وعلى مدار سنوات طويلة، ظل السؤال يتردد على ألسنة الأهالي: متى ينتهي هذا الوضع؟

وكانت الإجابات تأتي دائمًا باهتة، لا تحمل موعدًا ولا خطة واضحة، حتى تحولت الوعود إلى جزء من الأزمة نفسها.
وفي محاولة لحل المشكلة، شهدت المنطقة خلال فترة تولي المحافظ الأسبق طارق المهدي إنشاء باكيات مخصصة لنقل الباعة الجائلين إليها.
وكان الهدف وقتها إعادة الانضباط للشارع وتسهيل حركة المواطنين وإنهاء ظاهرة الاحتلال العشوائي للأرصفة.
لكن ما حدث على أرض الواقع جاء مختلفًا تمامًا.
وتحولت بعض الباكيات إلى مخازن للبضائع، وأخرى إلى أماكن لتخزين الكراكيب والطاولات المتهالكة، فيما تُرك عدد منها مهملًا لسنوات طويلة.

ولعبت حملات الإزالة المتقطعة دورًا في استمرار الأزمة دون حل جذري فكان الباعة يغادرون أماكنهم لساعات قليلة، ثم يعودون إليها مجددًا بمجرد انتهاء الحملات، لتعود العشوائية إلى سابق عهدها وكأن شيئًا لم يكن.

اليوم تقف الباكيات في حالة تدهور واضحة، جدران متآكلة، وشقوق وثقوب تملأ الأسطح، وأجزاء متهدمة تكشف طبقات الخرسانة والحجارة.
أما الداخل فأصبح بيئة مناسبة للحشرات والقوارض ومصدرًا دائمًا للمخلفات والأوبئة، في مشهد لا يليق بمنطقة تضم آلاف السكان.
المشهد يزداد غرابة عندما ينظر المواطن إلى ما يحدث حوله، فالدولة تتحدث عن التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، وتنفذ مشروعات قومية ضخمة لتطوير البنية التحتية وشبكات النقل، بينما يقف سوق المعهد الديني شاهدًا على أزمة لم تجد طريقها للحل حتى الآن.

وعلى مقربة من المنطقة، تستمر أعمال التطوير ومشروع مترو أنفاق الإسكندرية، لكن السوق العشوائي ما زال حاضرًا بمظهره المرهق، يفرض نفسه على المشهد الحضاري، ويترك أثرًا بصريًا وبيئيًا ضارا على الجميع.
وخلال جولات متعددة، أعلن محافظ الإسكندرية، المهندس، أيمن عطية عن اهتمامه بملف الأسواق العشوائية ونقل الباعة إلى مواقع حضارية مخصصة، من بينها باكيات بشارع 30، إلا أن الأهالي ما زالوا ينتظرون خطوات تنفيذية تنهي سنوات طويلة من المعاناة.

ويبقى السؤال معلقًا في أذهان سكان العصافرة
كم من الوقت تحتاج منطقة كاملة لتسترد شوارعها؟
وكم من الوعود يجب أن يسمعها المواطن قبل أن يرى التغيير على أرض الواقع؟
وأين المسؤولون والنواب من واحدة من أقدم وأكبر بؤر العشوائية في الإسكندرية؟
أسئلة ما زالت تبحث عن إجابة.



