وزارة الأوقاف تستعرض الأبعاد التاريخية لنسك رمي الجمرات
أكدت وزارة الأوقاف أن نسك رمي الجمرات يُعد أحد أبرز مشاعر الحج وأكثرها ارتباطًا بالذاكرة التاريخية والعقائدية للمِلة الحنيفية السمحة،موضحة في تقرير لها أن هذه الشعيرة العظيمة تختزل قصة الخليل إبراهيم -عليه السلام- في مواجهة الغواية والوساوس، وتجسد لحظات الامتثال المطلق لأمر الله عز وجل، حيث تحولت واقعة رجم الشيطان والتكبير في تلك البقاع الطاهرة إلى سنة متبعة يتوارثها الحجيج جيلًا بعد جيل.
كيف علّم جبريلُ الخليلَ مناسك الحج؟
وفي سياق تتبع الجذور التاريخية لهذه الشعيرة وبيان كيفية تعليم الروح الأمين جبريل -عليه السلام- مناسك الحج للخليل إبراهيم، استندت وزارة الأوقاف إلى ما دونه الإمام العلامة جمال الدين ابن الجوزي -رحمه الله- في مصنفه التاريخي الشهير "مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن".
حيث أورد ابن الجوزي أثرًا يصف مرافقة جبريل -عليه السلام- للخليل في مواطن الرمي، ملقنًا إياه التكبير مع كل حصاة دحرًا للشيطان ورغماً له، مؤكدًا أن أفعال الحجيج اليوم هي اقتفاء مباشر لآثار الأنبياء. وجاء في الأثر عن أبي مجلز: "لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الْبَيْتِ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَرَاهُ الطَّوَافَ، ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، ثُمَّ غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى [أو القصوى] فَفَعَلا كَذَلِكَ".
وعقب ابن الجوزي في كتابه موضحًا: "هَذَا هُوهُ الأَصْلُ فِي شُرُوعِ الرَّمْيِ، كَالأَصْلِ فِي شُرُوعِ السَّعْيِ، سَعِيِ هَاجَرَ، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ".
أصل شرعي ممتد عبر الأجيال
ولفت تقرير الوزارة إلى أن استنان الخليل إبراهيم -عليه السلام- لرمي الجمرات سبعًا في مواضع النسك، جاء كرد فعل حاسم وعملي عندما حاول الشيطان صده وثنيه عن تنفيذ أمر ربه. فكان الرجم المقترن بالتكبير إعلانًا لليقين بالوحي، وإحباطًا لمحاولات الغواية.
واختتمت الأوقاف تقريرها بالإشارة إلى أن مرافقة جبريل للخليل وتعليمه هيئة الرمي والتكبير في المواقع الثلاثة (العقبة، والوسطى، والصغرى/القصوى)، جعلت من هذه العبادة رابطًا روحيًا وثيقًا بذكرى الفداء العظيم وقصة الذبيح. وبناءً على ذلك، ظلت هذه الشعيرة أصلًا شرعيًّا ثابتًا، يربط أفعال ملايين الحجيج سنويًا بملة أبي الأنبياء إبراهيم، كأعظم تجسيد للامتثال ومراغمة أعداء الله في أقدس بقاع الأرض وأطهرها.