مفاجأة العيد.. الشماع: لدينا لوحة تؤكد أن أبو الهول أقدم من خفرع
لوحة حجرية نادرة، كانت معروضة في حجرة الدولة القديمة في المتحف المصري بالتحرير، ثم تم نقلها إلى المتحف المصري الكبير، وهي لوحة تحمل كما كبيرا من الغموض والجدل، وهي الآن غير معروضة ضمن معروضات الكبير، فما هو الجدل الدائر حول اللوحة، ومتى سيتم عرضها؟ نجيب عن ذلك عبر التقرير التالي.

كان أول من لفت الانتباه إلى تلك اللوحة المرشد السياحي والمؤرخ المعروف بسام الشماع، والذي بدأ الأمر بتساؤل: أين لوحة الإحصاء؟ هي غير موجودة في المتحف المصري بالتحرير كما كنت معتادًا؟ وسرى السؤال سريان النار في الهشيم بين أروقة المجلس الأعلى للآثار.

وصل السؤال إلى "نيوز رووم"، والذي في خلال دقائق حصل على الرد القاطع، والحقيقة أن البحث المكوكي عن إجابة السؤال شارك فيه العديدون، على رأسهم صاحب السؤال الشماع الذي قال إنه توجه بالسؤال لإدارة المتحف المصري بالتحرير، و"نيوز رووم" توجه بالسؤال لإدارة المتحف الكبير، فكان الجواب القاطع لدى الدكتور عيسى زيدان مدير الترميم ونقل اللآثار بالمتحف الكبير، والذي أجاب مباشرة، أن اللوحة محفوظة في المتحف المصري الكبير، كما أفاد أنه سيتم عرضها قريبًا.
ما هي أهمية لوحة الإحصاء؟
وقال بسام الشماع المرشد السياحي والمؤرخ المعروف، إن اللوحة واحدة من أهم اللوحات الحجرية المنقوشة في تاريخنا القديم، وهي أثر من النوع الجدلي الذي لا يتفق المتخصصون على تفسير واحد لنقوشه، وأجده مثيرًا للغاية لما يحمله النص من عبارات مفاجئة، غير اعتيادية، يسطر لنا ما يُغير به فصل هام من تاريخنا، وهو فصل زمن بناء الهرم وزمن نحت أبوالهول، ومن هنا تأتي حساسية لوحة الإحصاء، فقد اعتقد أحد المتخصصين، أن كاتب النص يعود للأسرة الـ 26 بالغ واختلق أحداثا ليزيد الحالة العقائدية عمقًا، أما أنا - والكلام للشماع - فأعتقد أن النص جدير بالدراسة دون اتهامات لكاتب النص القديم، ذلك لأن هذا الكاتب يعود للعصر الصاوي، والذي نصفه بأنه عصر القومية المصرية القديمة، قد أعاد كتابة نص كان موجودًا وهذا ضمن الترميم والتجديد والحفاظ على التراث الذي انتهجته الأسرة الـ26 الصاوية المصرية القومية لإعادة شعور الوطنية لمصر والمصريين.
وطالب الشماع بإعادة دراسة النص المنقوش على لوحة الإحصاء من الناحية اللغوية ومسحها بالأشعة الخاصة غير المؤثرة، لتظهر لنا الحروف والرموز المصرية أو المطموسة.
لوحة تغير التاريخ
تُعد هذه اللوحة، المصنوعة من الحجر الجيري الفاخر، من القطع الأثرية المهمة، إذ يبلغ ارتفاعها 70 سم وعرضها 42 سم. ويحيط بها إطار يحمل نقوشًا هيروغليفية، بينما تنخفض المساحة الداخلية قليلًا عن مستوى الإطار، وتنقسم إلى أربعة سجلات تضم نقوشًا بارزة وكتابات هيروغليفية.
في عام 1858، عثر عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت على لوحة صغيرة خلال حفائره بمنطقة أبو الهول، داخل معبد إيزيس القريب مما يُعرف اليوم بهرم G1. وأثارت اللوحة، التي حملت اسم الملك خوفو، اهتمامًا واسعًا بين الباحثين.
ورغم الاعتقاد في البداية بأنها تعود إلى الأسرة الرابعة، فإن الدراسات الأسلوبية واللغوية أثبتت لاحقًا أنها لا تنتمي إلى العصر التاريخي للملك خوفو، إذ بدت ملامحها الفنية مختلفة بوضوح عن آثار الأسرة الرابعة.
اللوحة قائمة بذاتها، وعُثر عليها داخل معبد إيزيس، وهي مصنوعة من الحجر الجيري. وتبلغ أبعادها في المتحف المصري الكبير 70 × 30 × 43.5 سم، بينما يعود تاريخ اكتشافها إلى يونيو 1858.
جامعة هارفارد عن لوحة الإحصاء
وصفت جامعة هارفارد لوحة الجرد بأنها لوحة جيرية تخص ابنة الملك خوفو، تبدأ نقوشها بعبارة: «يحيا حورس مِجِدِد، ملك مصر العليا والسفلى خوفو، المُعطى الحياة»، ثم تتبعها إهداءات للإلهة إيزيس. وتشير النصوص إلى وجود معبد للإلهة شُيّد إلى جوار أبو الهول من الناحية الشمالية، غرب معبد آخر مخصص للإله أوزيريس.
يتوسط اللوحة أربعة سجلات من النقوش، بينما يظهر في السجل الرابع العجل أبيس وأبو الهول العظيم على جانبي المشهد، وجاء في النص الأوسط: «يقع موضع أبو الهول حور إم آخت جنوب معبد إيزيس الوصية، وشمال معبد أوزيريس سيد روستا». كما لوحظ أن الجزء السفلي من اللوحة نُفذ بأسلوب بدائي نسبيًا.
هنري برستد عن لوحة الإحصاء
أما الترجمة والتعليق الأشهر على اللوحة فقد قدّمهما المؤرخ الأمريكي جيمس هنري برستد في كتابه «السجلات القديمة لمصر» الصادر عام 1906، حيث أوضح أن لوحة الجرد تُعد سجلًا لحصر التماثيل الموجودة بمعبد إيزيس، وتتضمن إشارات إلى أبو الهول والأهرامات.
وأشار برستد إلى أن أهمية اللوحة تعود إلى ما ورد فيها عن أبو الهول والمعبد المجاور له في عهد خوفو، لكنه أكد أن الأدلة اللغوية والإملائية تثبت تأخر تاريخها الزمني، كما أن الإشارة إلى عبادة إيزيس بلقب «سيدة الهرم» تؤكد أن اللوحة ليست نسخة من وثيقة أقدم تعود لعصر خوفو.
الشماع يعقب
ولكن الشماع يرد قائلا إنه من الممكن أن يكون النص أصليًا قديمًا وتم إضافة شخصية الأسرة الصاوية عليه، وبالتالي نأخذ ما نأخذ و نترك ما نترك منه.
وتذكر النصوص أن الملك أقام اللوحة تكريمًا لوالدته المقدسة لدية إيزيس وحتحور، وأعاد تقديم القرابين لها، كما أعاد تشييد معبدها بالحجر بعد العثور على الآلهة في مواضعها الأصلية.
كما ورد في أحد النصوص: «تقع منطقة أبو الهول "حر إم آخت" جنوب بيت إيزيس سيدة الهرم، وشمال أوزيريس سيد روستا». بينما يشير نص آخر إلى أن خوفو عثر على بيت إيزيس بجوار معبد أبو الهول شمال غربي معبد أوزيريس، ثم شيد هرمه إلى جوار معبد المعبودات، وأقام هرمًا للأميرة "حنوت سن"
[و هي إبنة خوفو] بجوار المعبد ذاته.
بتري عن لوحة الإحصاء
ورجّح عالم الآثار البريطاني فلندرز بيتري أن اللوحة تعود إلى الأسرة الحادية والعشرين، غير أن دراسات الباحث الفرنسي "جورج دارسي" نسبت لوحة الجرد إلى الأسرة السادسة والعشرين.
وعند قراءة سجلات اللوحة، يظهر في السجل الأول تمثال للمعبود مين، يليه تصويران للمعبود وبواوت، ثم المعبود سوبد وأخيرًا المعبود تحوت، وقد أوضحت النقوش أن هذه التماثيل صنعت من الخشب المذهب. أما السجل الثاني فيضم مركبًا مقدسًا يُعرف باسم «حامل جمال إيزيس»، وتحت مقصورة تظهر إيزيس ثم نفتيس فإيزيس مرة أخرى وأخيرًا المعبودة سلكت، وجميعهن جالسات على عروش يُعتقد أنها من حجر الشيست.
ويعرض السجل الثالث مجموعة أخرى من المعبودات، من بينها هاربوقراط، وبتاح، وسخمت، وأوزيريس، وإيزيس وهي تُرضع حورس الطفل، بينما صُنعت أغلب التماثيل من الخشب المذهب، في حين نُفذت بعض التماثيل من البرونز الأسود، مع عيون مطعمة بالأحجار.
أما السجل الرابع فيُظهر العجل حاعبي والمعبود نفرتوم في هيئة أفعوانية، ثم صورة لأبو الهول بلقبه «حور إم آخت» أي «حورس في الأفق»، وهو الاسم الذي عُرف لاحقًا لدى اليونانيين باسم «هارماخيس».
كما تظهر فوق رأس أبو الهول علامة هيراطيقية غريبة تتكون من أربعة أجزاء مائلة على هيئة حرف «S»، وهي العلامة «ششب» التي تعني «أبو الهول» في المصرية الوسطى.
ورغم أن معظم النقوش تُعد جزءً من جرد مقتنيات معبد إيزيس، فإن النصوص المحفورة على الإطار والسجل الرابع وقاعدة اللوحة تحظى بأهمية خاصة، على الرغم من تعرضها لتلف شديد.
ويقترح الشماع أن يتم عرضها على الدرج العظيم في مكان خاص و بجانبها سرد للنص الهيروغليفي و معه النطق و الترجمة بجانب شرح بلغة بريل للمكفوفين و تسجيل صوتي لمن يريد سماع قراءة النص.



