100 عام من السنط.. حكاية أقدم ورشة لـ «قورمة» الجزارين في زقاق اللبان السكندري
في زقاق ضيق من أزقة حي اللبان القديم بغرب الإسكندرية، حيث يختلط عبق الخشب العتيق برائحة الزمن الجميل، تقف ورشة صغيرة كأنها قطعة باقية من تاريخ المدينة العصي على النسيان، جدران مشققة حفرت الأيام عليها سطرها، وماكينات تجاوز عمرها عشرات السنين لكنها ما زالت تدور بهمة، وجذوع أشجار ضخمة متراصة أمام الباب الخشبي العتيق تعلن عن هوية المكان قبل أن تخطو قدمك داخله.
ففي شارع عبد المنعم، تقبع أقدم ورشة لتصنيع "القورمة" في الثغر السكندري، مكان يرجع تاريخه لأكثر من قرن، توارثت الأجيال العمل فيه أبًا عن جد، ليظل شاهدًا حيًا على واحدة من أعرق المهن المرتبطة بمهنة الجزارة، وداخل الورشة، لا تبدو "القورمة" مجرد قطعة خشب جامدة يقطع عليها الجزار اللحوم، بل هي رحلة عمر كاملة، وصنعة يد تقاوم الاختفاء بصعوبة بالغة وسط أمواج الزمن المتغير.
وفي قلب المكان، يقف المعلم محمد جابر وسط ذكرياته، وهو الذي قضى نحو 15 عامًا من حياته بين هذه الماكينات، بعدما ورث الصنعة عن والده وجده، واختار بكامل إرادته أن يكمل المشوار رغم قسوة المهنة وندرة صناعها اليوم، ويمرر جابر يده باعتزاز على إحدى القورم الخشبية ويسترجع البدايات قائلًا: «وأنا عيل صغير كنت باجي ألعب هنا عند جدي، ومكنتش أعرف إن الدكان ده هيبقى عمري وحياتي كلها بعد كده».
وبمجرد أن تطأ قدمك عتبة الورشة، تتبدل رائحة الشارع برائحة خشب السنط النفاذة والقوية، وتستقبلك الجذوع الضخمة المتراصة في الأركان كأنها في طابور انتظار طويل، لتتحول إلى "قورمة" صلبة تتحمل كدّ السنين داخل دكاكين الجزارين.
ويشرح جابر مراحل تلك الرحلة الشاقة، قائلًا: «بنجيب خشب السنط مخصوص من محافظات الصعيد والوجه القبلي، لأنه أقوى نوع خشب في السوق ويستحمل شغل الجزارة الشديد وتقطيع العظم»، ويتابع وهو يمسك بقطعة خشب: «في البداية بنقطع الجذوع الكبيرة، وبعدها تدخل مرحلة التنشيف لمدة تقارب الشهر الكامل عشان الرطوبة تخرج من الخشب تماماً ويبقى جاهز للتصنيع، وده عشان ما يحصلش فيه أي شروخ أو تشققات بعد كده».
وبعد انتهاء مرحلة التنشيف الصامتة، تبدأ رحلة الحركة والصخب، حيث يدخل الخشب إلى مرحلة المنشار ليُقطع إلى ألواح وقطع بأحجام ومقاسات مختلفة، وسط هدير الماكينات القديمة التي لم تعرف الكلل منذ عقود، تعقبها مرحلة الخرط، وهي اللحظة التي تُشكل فيها الأرجل الخاصة بالقورمة البلدي بدقة وهندسة بالغة، فيما تُستخدم ماكينة أخرى لتجهيز "البلنشات" الخشبية قبل تركيبها في شكلها النهائي المتين.
وبين كل مرحلة وأخرى، تتحرك الأيدي العاملة بخبرة صُقلت على مدار عشرات السنين، في مهنة لا تتطلب فقط القوة العضلية، بل الصبر وطول البال.
وعن تطور أشكال القورمة عبر الزمن، يوضح جابر: «زمان كان فيه الشكل البلدي البسيط اللي استخدمه الجزارين من سنين طويلة، لكن مع الوقت ظهرت القورمة الإفرنجية الخاصة بالمحال الحديثة، وأنا حاولت أطور في الأشكال وأضيف لمستي مع الحفاظ الكامل على أصل الصنعة وفرشتها».
وفي زاوية هادئة من الورشة، يجلس عم محمد أحمد، أحد أقدم حراس هذه الصنعة في المكان، غزا الشيب شعره، ويتحدث بنبرة هادئة وكأنه يستعيد شريط عمر كامل عاشه بين تلك الجدران، ويقول والابتسامة ترتسم على وجهه: «قضيت عمري كله هنا، بين ريحة الخشب وشارع اللبان القديم.. دي مهنة أب عن جد، وكملت فيها مع جابر وابنه محمد».
ويشير عم محمد بيده نحو الماكينات القديمة ويهز رأسه قائلًا: «صناعة القورمة مش سهلة، خشب السنط ناشف وصعب جدًا وبيحتاج مجهود جبار، لكنه في النهاية يطلع قوي ويستحمل تقطيع اللحمة والعظم لسنين طويلة»، غير أن نبرة صوته لا تخلو من مسحة حزن وهو يضيف: «القورمة ممكن تقعد سنة وسنتين مع الجزار من غير ما يجرا لها حاجة، وعشان كده تصنيعها بياخد وقت ومجهود، لكن المشكلة الحقيقية اليوم إن الشباب مبقاش يحب يتعلم المهن الشاقة دي وعايز المكسب السريع».
وداخل تلك الورشة السكندرية العتيقة، لا تُصنع قطع الخشب فحسب، بل تُصنع حكايات رجال صلبين عركتهم الأيام، عاشوا بين نشارة الخشب وهدير الماكينات، وتمسكوا بأمانة مهنة قد تتوارى يومًا، لكنها ستظل محفورة في ذاكرة حي اللبان القديم، وشاهدة على ملامح إسكندرية القديمة؛ المدينة التي لا تشبه أي مدينة أخرى.


















