بين التيسيرات والردع.. كيف تدير الحكومة معركة التصالح على مخالفات البناء؟|خاص
يظل ملف التصالح في مخالفات البناء أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا داخل منظومة الإدارة المحلية في مصر، نظرًا لارتباطه المباشر بالتخطيط العمراني، وحوكمة المحليات، وحماية حقوق الدولة، ومواجهة العشوائيات التي تراكمت على مدار عقود.
وبينما تسعى الحكومة إلى تسريع إجراءات التصالح وتقديم مزيد من التيسيرات للمواطنين، يرى خبراء أن القضية تتجاوز مجرد تقنين أوضاع المباني المخالفة، لتصبح اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إعادة بناء منظومة الإدارة المحلية وتحقيق الانضباط العمراني عبر التحول الرقمي وتطوير البنية المؤسسية للمحليات.
في البداية أكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير استشاري البلديات الدولية، أن ملف التصالح في مخالفات البناء يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا داخل منظومة الإدارة المحلية خلال العقود الأخيرة، بسبب ارتباطه المباشر بقضايا التخطيط العمراني، وحقوق الدولة، والامتداد العشوائي، والحوكمة المحلية.
وأوضح أن إدارة هذا الملف تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إعادة تنظيم المجال العمراني وتحقيق الانضباط داخل المحافظات، والتصالح لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد أداة لتحصيل مستحقات مالية للدولة، وإنما يمثل مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء قواعد التنمية المحلية وتحقيق الاستقرار العمراني، خاصة في ظل ما شهدته مصر خلال السنوات الماضية من توسعات عمرانية غير مخططة أثرت بصورة مباشرة على البنية التحتية والخدمات العامة وجودة الحياة داخل المدن والقرى.
ملف التصالح خطوة مهمة لإعادة ضبط منظومة التخطيط العمراني
وأشار عرفة إلى أن ملف التصالح يمثل خطوة مهمة نحو إعادة ضبط منظومة التخطيط العمراني بالمحافظات، لافتًا إلى أن نجاح الدولة في حصر الكتل المخالفة، وتحديث الخرائط العمرانية، وإدخال البيانات إلكترونيًا، سيسهم مستقبلاً في إعداد مخططات عمرانية أكثر دقة وربط خطط التنمية المحلية بالواقع الفعلي على الأرض، بما يدعم جهود الدولة في الحد من العشوائيات ومنع تكرار المخالفات، كما أن ميكنة ملف التصالح ستنعكس بصورة واضحة على تعزيز الحوكمة داخل المحليات، من خلال تقليل التدخل البشري، وتسريع إجراءات الفحص، وإتاحة قواعد بيانات موحدة، فضلًا عن رفع كفاءة المتابعة والرقابة وتقليل فرص الفساد الإداري، مؤكدًا أن التحول الرقمي أصبح ضرورة أساسية في إدارة المحليات وليس رفاهية إدارية، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن مستوى التحول الرقمي الحالي ما زال ضعيفًا للغاية ولم يتجاوز 10%.
وأوضح أن تدريب نحو 11 ألف موظف يُعد خطوة إيجابية ومهمة لكنه لا يكفي وحده لضمان كفاءة التنفيذ على مستوى الجمهورية خاصة في ظل وجود أكثر من مليون و600 ألف موظف داخل المحافظات، إلى جانب أكثر من 4700 قرية وعشرات المدن والأحياء التي تختلف في قدراتها البشرية والتكنولوجية، كما أن بعض الوحدات المحلية لا تزال تعاني من نقص الكوادر الفنية والهندسية وضعف الإمكانيات التكنولوجية والإدارية.
وبيّن عرفة أن عددًا من أوجه القصور ظهرت أثناء تطبيق قانون التصالح، من بينها بطء بعض الإجراءات، وتفاوت مستويات الأداء بين المحافظات، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، فضلًا عن محدودية الخبرات الفنية في بعض المحليات، ووجود ضغط كبير على الإدارات الهندسية نتيجة تراكم الطلبات، إضافة إلى احتياج بعض المناطق الريفية إلى دعم تقني وإداري أكبر.
غلق ملف التصالح بصورة نهائية يتطلب رفع الكفاءة المؤسسية للوحدات المحلية
وشدد أستاذ الإدارة المحلية على أن غلق ملف التصالح بصورة نهائية يتطلب رفع الكفاءة المؤسسية للوحدات المحلية، من خلال استكمال التحول الرقمي، وتحديث قواعد البيانات العقارية، وتوفير برامج تدريب مستدامة للعاملين، وربط تقييم القيادات المحلية بمعدلات الإنجاز وجودة الخدمات، إلى جانب إعادة هيكلة بعض الإدارات الهندسية داخل المحليات، والمرحلة المقبلة يجب أن تشهد تطويرًا شاملًا للأداء المؤسسي بالمحليات بعد الانتهاء من ملف التصالح، عبر إنشاء منظومة رقابة عمرانية استباقية تمنع المخالفات قبل وقوعها، مع دعم اللامركزية وتوسيع صلاحيات الإدارة المحلية وربطها بالمحاسبة والشفافية.
وأضاف عرفة أنه يجب على أن منظومة الإدارة المحلية في مصر تحتاج إلى إصلاح تشريعي وإداري أوسع بالتوازي مع قانون التصالح، يتضمن تحديث قانون الإدارة المحلية، وإعادة تنظيم العلاقة بين المحافظات والوزارات، ومنح المحليات صلاحيات مالية وتنفيذية أكبر، بما يحقق تنمية محلية مستدامة ويعزز قدرة الدولة على إدارة النمو العمراني بصورة أكثر كفاءة وانضباطًا.
من جانبه أكد الدكتور صبري الجندي، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، أن التعديلات الأخيرة على قانون التصالح في مخالفات البناء تُعد من أكثر النسخ التيسيرية التي تم إقرارها منذ بدء العمل بالقانون، موضحًا أنها تأتي ضمن النسخة الثالثة من التعديلات التي أقرها مجلس النواب استجابة لمطالب المواطنين.
وأوضح الجندي في تصريحات خاصة لـ "نيوز رووم" أن كل تعديل جديد على القانون كان يصاحبه ارتفاع في أعداد الطلبات المقدمة للتصالح، وهو ما يعكس قناعة لدى بعض المخالفين بإمكانية الحصول على مزيد من التيسيرات مستقبلًا، الأمر الذي يدفع البعض لتأجيل إنهاء الإجراءات بدلًا من الإسراع بها.
2.8 مليون طلب في المرحلة الأولى
وأضاف أن إجمالي طلبات التصالح التي تم التقدم بها حتى الآن بلغ نحو 2.8 مليون طلب في المرحلة الأولى، إلى جانب قرابة 2 مليون طلب جديد حتى مايو الجاري، ليقترب إجمالي الطلبات من 4.8 مليون طلب، وهو رقم يتجاوز الحصر المبدئي السابق الذي قدر المخالفات بنحو 3.6 مليون وحدة فقط.
وأشار إلى أن هذه الأرقام تكشف أن الحصر الأولي للمخالفات لم يكن دقيقًا بالشكل الكافي، لافتًا إلى أن التعديلات الحالية تضمنت تسهيلات غير مسبوقة، من بينها السماح باستكمال أعمال البناء وإلقاء الأسقف، إلى جانب تسهيلات متعلقة بإجراءات توصيل المرافق مثل الكهرباء والمياه والغاز، حتى في بعض الحالات التي لم يُحسم فيها ملف التصالح بصورة نهائية.
التيسيرات غيّرت سلوك بعض المواطنين
وأوضح الجندي أن هذه التيسيرات غيّرت سلوك بعض المواطنين، حيث لم يعد هناك نفس الضغط السابق الذي كان يدفع المخالفين للإسراع في إنهاء التصالح، موضحًا أن المواطن كان في السابق يسعى لإنهاء الإجراءات خوفًا من وقف البناء أو التعرض لإجراءات قانونية، بينما أصبح الآن أكثر ميلًا للانتظار في ظل استمرار التيسيرات.
وفيما يتعلق بملف العدادات الكودية ورفع شرائح استهلاك الكهرباء للمباني المخالفة، قال الجندي إن الحكومة ترى في هذه الإجراءات وسيلة ردع تدفع المواطنين نحو التصالح وتقنين الأوضاع، بينما يعتقد بعض المواطنين أن تلك الإجراءات قد يتم التراجع عنها لاحقًا كما حدث في مراحل سابقة، وهو ما يقلل من تأثيرها كعامل ضغط مباشر.
وأضاف أن استمرار توصيل المرافق للمباني المخالفة يقلل من دوافع التصالح، متسائلًا: “إذا كان المواطن يحصل على كهرباء ومياه وغاز وي