عاجل

من البكالوريا للتابلت.. هل تتحول أدوات التطوير إلى أعباء جديدة على الطلاب؟|خاص

التعليم في مصر
التعليم في مصر

رغم الخطوات المتتالية التي أعلنتها وزارة التربية والتعليم خلال السنوات الأخيرة لتطوير المنظومة التعليمية، لا يزال ملف إصلاح التعليم يثير جدلًا واسعًا بين الخبراء والمتخصصين حول مدى قدرة هذه الإجراءات على تحقيق تغيير حقيقي ومستدام داخل المدارس المصرية. 

وبين من يرى أن الدولة بدأت بالفعل مسارًا جادًا لتحديث المناهج وربط التعليم بسوق العمل، ومن يعتبر أن ما يحدث لا يتجاوز “التحديث الجزئي” وإعادة إنتاج الأزمات القديمة بصورة جديدة، يبقى السؤال الأهم: هل تسير مصر نحو إصلاح تعليمي شامل، أم أن المنظومة ما زالت تدور في دائرة التجارب والحلول المؤقتة؟

قال الدكتور مجدي حمزة، الخبير التربوي، إن منظومة التعليم في مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة عددًا من محاولات الإصلاح والتطوير، إلا أن هذه المحاولات رغم كثرتها  ما زالت تواجه تحديات كبيرة، ولا تعكس بصورة كاملة النتائج المرجوة على أرض الواقع، مؤكدًا أن التعليم من أكثر القطاعات التي لا تحتمل القرارات السريعة أو الحلول الجزئية.

التطوير الحقيقي لا يتحقق إلا عبر استراتيجية متكاملة 

وأوضح حمزة، في تصريحات خاصة، أن ما يتم تداوله حول إصلاح التعليم يجب أن يُنظر إليه من زاوية علمية وواقعية في الوقت نفسه، وليس من خلال الشعارات أو التصريحات الإعلامية، مشيرًا إلى أن التطوير الحقيقي لا يتحقق إلا عبر استراتيجية متكاملة قصيرة وطويلة المدى، تتعامل مع جميع عناصر المنظومة التعليمية في وقت واحد، وليس عبر معالجة كل عنصر بشكل منفصل.

وأضاف أن ما تم إنجازه خلال السنوات الماضية شمل بالفعل إدخال عدد كبير من المناهج الجديدة، مع تطوير نظام الثانوية العامة وإعادة صياغته في صورة أقرب إلى نظام “البكالوريا”، إلى جانب التوسع في التعليم الفني وتحويل جزء كبير منه إلى نمط تكنولوجي حديث، فضلًا عن إنشاء وتطوير عدد من المدارس التجريبية والمدارس اليابانية داخل المنظومة التعليمية المصرية.

وأكد الخبير التربوي أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تزال في إطار “التحديث الجزئي” وليس “الإصلاح الشامل”، موضحًا أن المشكلة الأساسية ليست في وجود مبادرات أو قرارات تطوير، ولكن في غياب الترابط بين هذه المبادرات، وعدم تطبيقها ضمن رؤية واحدة متكاملة.

وأشار حمزة إلى أن التعليم لا يمكن أن يُطور عبر تغيير المناهج فقط، أو إدخال أنظمة تعليمية مستوردة من دول أخرى دون تكييفها مع البيئة المصرية، موضحًا أن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما يجب أن ينعكس بشكل مباشر على طبيعة التعليم ومحتواه وآليات تطبيقه.

وشدد على أن فكرة نقل نماذج تعليمية من دول مثل اليابان أو ألمانيا أو فرنسا وتطبيقها بشكل مباشر داخل مصر دون تعديل أو مواءمة مع الواقع المحلي، قد تؤدي إلى نتائج غير متوقعة، وربما تعيق عملية التطوير بدلًا من أن تدعمها، لافتًا إلى أن الحل الحقيقي يتمثل في الاعتماد على خبرات وطنية قادرة على بناء مناهج مصرية خالصة تنطلق من الواقع المحلي وتستفيد في الوقت نفسه من التجارب العالمية دون نسخها.

رؤية تطوير التعليم 

وتابع أن تطوير التعليم يجب أن يتم وفق رؤية شاملة متعددة المحاور، تشمل المناهج الدراسية، والبنية التحتية للمدارس، وتأهيل وتطوير المعلمين، وتحديث وسائل التعليم والتكنولوجيا المستخدمة، إلى جانب تحسين أوضاع العاملين في القطاع ماديًا ومعنويًا، بما يضمن توفير بيئة تعليمية مستقرة ومحفزة على الإنتاج والتطوير.

وانتقد حمزة الاعتماد المتزايد على الوسائل التكنولوجية داخل المدارس، وعلى رأسها التابلت التعليمي، معتبرًا أن إدخال التكنولوجيا دون تجهيز كامل للبنية التحتية أو تدريب كافٍ للمعلمين، قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويحول أداة التطوير إلى عبء على العملية التعليمية بدلًا من أن تكون عنصر دعم لها.

وأوضح أن التجارب الدولية الناجحة في تطوير التعليم، مثل تجربة ماليزيا وسنغافورة، لم تعتمد على قرارات مفاجئة أو تغييرات متكررة، وإنما قامت على خطط واضحة ومحددة الأهداف تم تنفيذها على مراحل تمتد لسنوات طويلة، مع وجود التزام كامل من الدولة باستمرار نفس الاتجاه دون تغيير جذري مع كل إدارة جديدة وهذه الدول لم تحقق تقدمها في التعليم بين يوم وليلة، بل من خلال العمل المستمر والتخطيط العلمي الدقيق، ومراجعة كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، وهو ما جعلها تصل إلى مكانة متقدمة عالميًا في قطاع التعليم.

واستطرد حمزة بأن أي عملية إصلاح تعليمي حقيقية لا يمكن أن تتم عبر “التصريحات العنترية” أو الوعود الإعلامية، وإنما تحتاج إلى تخطيط علمي دقيق، وتنفيذ تدريجي مدروس، وتقييم مستمر لكل خطوة يتم تطبيقها، مؤكدًا أن التعليم ليس مجالًا للتجربة أو القرارات غير المحسوبة.

وحذر من تعميم أي نظام تعليمي جديد على مستوى الجمهورية بالكامل دون تجارب تقييم مسبقة، مشددًا على أن ذلك قد يؤدي إلى الإضرار بمستقبل الطلاب، الذين يجب ألا يتحولوا إلى مجال للتجارب أو الاختبارات غير المدروسة.

وأكد الخبير التربوي أن الحديث عن الحاجة إلى أربعين سنة لتطوير التعليم ليس بالضرورة أمرًا دقيقًا، موضحًا أن بعض الدول استطاعت تحقيق نقلة نوعية في فترة زمنية أقل بكثير، ولكن ذلك كان مرهونًا بوجود خطة واضحة، وإرادة سياسية قوية، واستقرار في السياسات التعليمية دون تغييرات متكررة وأن إصلاح التعليم في مصر ممكن وواقعي، لكنه يحتاج إلى رؤية شاملة، وتكامل في جميع عناصر المنظومة، بعيدًا عن الحلول الجزئية أو القرارات المتعجلة، مع ضرورة أن يكون الهدف الأساسي هو بناء نظام تعليمي مستقر ومستدام يخدم الأجيال القادمة.

من جانبه أكد الدكتور محمد عبد العزيز، الخبير التربوي، أن ما يجري الحديث عنه حاليًا باعتباره “إصلاحًا لمنظومة التعليم” لا يعدو كونه إعادة تدوير للمشكلات القديمة نفسها التي تعاني منها المنظومة منذ سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن المشهد يتكرر مع كل وزير جديد، عبر تصريحات تتحدث عن تطوير غير مسبوق، بينما تعود الأوضاع في النهاية إلى نقطة الصفر دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة.

وجود برنامج إصلاح متكامل وواضح المعالم 

وقال عبد العزيز، في تصريحات خاصة، إن الخطاب الإعلامي الحالي الصادر عن وزارة التربية والتعليم لا يختلف كثيرًا عن التصريحات التي تكررت على مدار السنوات الماضية مع وزراء التعليم السابقين، موضحًا أن كل وزير يأتي بشعارات جديدة حول التطوير، دون وجود برنامج إصلاح متكامل وواضح المعالم يتم عرضه بصورة شفافة على المجتمع.

وأضاف أن أي عملية إصلاح حقيقية للتعليم يجب أن تبدأ بوجود خطة واضحة ومكتوبة يتم طرحها للنقاش المجتمعي، ومناقشتها داخل مجلس النواب، مع الاستماع إلى خبراء التربية والتعليم الحقيقيين الذين يمتلكون خبرات علمية وعملية طويلة، وليس الاقتصار على المسؤولين التنفيذيين داخل الوزارة أو الأشخاص المرتبطين بمصالح مباشرة داخل المنظومة.

وأشار إلى أن الأزمة الحالية تتمثل في أن الجهة التي تضع السياسات التعليمية هي نفسها التي تتولى تقييم هذه السياسات، وهو ما يفقد عملية التقييم الحياد والموضوعية، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي يتطلب وجود مراجعة مستقلة من خبراء ومتخصصين خارج الإطار التنفيذي للوزارة.

مشروع البكالوريا

وانتقد الخبير التربوي مشروع “البكالوريا” الذي يجري الحديث عنه مؤخرًا، معتبرًا أنه يمثل “قنبلة تعليمية موقوتة” قد تخلق مشكلات أكبر مستقبلًا، موضحًا أن الفكرة لم تخرج من إطار البحث عن مشروع يحمل اسم الوزير الحالي أكثر من كونها جزءًا من خطة إصلاح مدروسة وهناك خلطًا واضحًا بين مفهوم “البكالوريا الدولية” المعروفة عالميًا، وبين النظام الجديد الذي يتم الترويج له محليًا، مؤكدًا أن مجرد إطلاق الاسم لا يعني تطبيق نظام تعليمي متكامل بالمواصفات والمعايير الدولية نفسها.

وأضاف عبد العزيز أن النظام الجديد يواجه تحديات كبيرة، على رأسها طبيعة المحتوى الدراسي والمناهج التي سيتم تدريسها، متسائلًا عما إذا كانت هناك بالفعل رؤية واضحة لبناء مناهج تتناسب مع قدرات الطلاب واحتياجاتهم، أم أن الأمر لا يزال مجرد أفكار غير مكتملة.

العودة لا تُقاس بالأعداد فقط

وفيما يتعلق بعودة الطلاب إلى المدارس، قال الخبير التربوي إن السؤال الحقيقي ليس: “هل عاد الطلاب إلى الفصول؟”، وإنما: “كيف عادوا؟”، موضحًا أن العودة لا تُقاس بالأعداد فقط، وإنما بمدى اقتناع الطالب بالمدرسة كمصدر حقيقي للتعليم.

وأضاف أن العودة الحالية جاءت في كثير من الأحيان عبر إجراءات إلزامية وعقوبات تهدد الطلاب بالفصل حال الغياب، وليس نتيجة تحسين جودة العملية التعليمية أو خلق بيئة مدرسية جاذبة للطلاب، مشيرًا إلى أن استمرار ظاهرة الدروس الخصوصية بالشكل الواسع الحالي يؤكد أن المدرسة ما زالت عاجزة عن تقديم خدمة تعليمية كافية، والشوارع والمراكز التعليمية الممتلئة بالطلاب حتى ساعات متأخرة من الليل تمثل مؤشرًا واضحًا على أن المشكلة الأساسية لم تُحل.

آلية تطوير المناهج الدراسية

كما انتقد عبد العزيز آلية تطوير المناهج الدراسية، معتبرًا أن هناك تناقضًا واضحًا في الحديث عن تطوير التعليم، بالتزامن مع عقد شراكات مع دور النشر الخاصة المنتجة للكتب الخارجية للمشاركة في إعداد أو تطوير الكتب المدرسية الرسمية.

وتساءل: “كيف يمكن أن يكون المنتج للكتاب الخارجي هو نفسه المشارك في إعداد الكتاب المدرسي؟”، معتبرًا أن هذا الأمر يثير العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة العلاقة بين التعليم الحكومي وسوق الدروس الخصوصية والكتب الخارجية ومشكلة الكثافات الطلابية ما زالت قائمة رغم التصريحات الرسمية المتكررة عن انخفاضها، مشددًا على أن تقييم نجاح الوزارة لا يجب أن يعتمد فقط على تصريحات المسؤولين، وإنما على آراء أولياء الأمور والطلاب باعتبارهم الفئة المستهدفة من العملية التعليمية.

وأضاف أن الوزارة لم تطرح استطلاعات رأي حقيقية وشفافة على مستوى الجمهورية لقياس مدى رضا أولياء الأمور عن مستوى الخدمة التعليمية داخل المدارس، أو مدى شعور الطلاب بتحسن البيئة الدراسية والكثافات داخل الفصول.

وانتقد الخبير التربوي طبيعة المناهج الحالية، مؤكدًا أنها في كثير من الأحيان تتجاوز القدرات العقلية والمستوى العمري للطلاب، وهو ما يخلق مشكلات نفسية وتعليمية خطيرة، أبرزها شعور الطالب بالعجز وعدم القدرة على الفهم، إلى جانب دفع الأسرة بشكل إجباري نحو اللجوء للدروس الخصوصية.

وأوضح أن تحميل الطالب محتوى دراسيًا يفوق قدراته لا يمكن اعتباره تطويرًا للتعليم، بل يمثل عبئًا إضافيًا على الأسرة والطالب معًا، ويؤدي إلى اتساع الفجوة بين المدرسة والواقع الفعلي للعملية التعليمية، مؤكدًا على أن ما يحدث حاليًا ليس إصلاحًا جذريًا لمنظومة التعليم، وإنما إعادة إنتاج للمشكلات القديمة بأشكال جديدة، و الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالأزمات القائمة ووضع حلول علمية واضحة لها، بدلًا من الاكتفاء بالشعارات والتصريحات الإعلامية.

تم نسخ الرابط