رأيت كافة أنواع الدموع إلا تلك الدموع التي نزلت من عين أمي وأنا عاجز أمامها لا أعرف ماذا أفعل.. تلك هي التصريحات التي أطلقها شاب ثلاثيني أمام معالجه النفسي، الذي يسرد مجموعة من الاعترافات من اعترافات مرضاه في كتاب شيق يحمل نفس عنوان اعترافات الابن "يوم بكت أمي".
يقول: كنت صغيراً في السابعة من عمري عندما مسحت أمي دموعها حتى لا أراها بعد عراك مع أبي لم أعلم أسبابه أو خفاياه، فقد كانت أمي من تلك النوعية الكتومة التي تعمل كل ما في وسعها من أجل توفير حياة هادئة لي ولأختي الصغيرة. ارتميت في حضنها وقتها وسألتها: ماذا بك يا أمي؟ وردت بهدوء: عيناي تؤلمني، سأذهب إلى الطبيب لكي يعطيني دواءً لها. ومضت سنوات وأمي على حالها تمسح دموعها وتبرر ذلك بألم في العيون، وأنا أتصنع بتصديقها.
كبرت في هذا البيت وألفت ملامح أمي التي تخفي أكثر مما تظهر، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة أن أخفض لها جناح الذل من الرحمة حتى تقر عينها ويهدأ بالها، على الرغم من أنها لم تشكُ يوماً ولم تظهر أسباب حزنها. رأيت دموع أمي مرة أخرى وهذه المرة لم تخفها وتتذرع بألم فيها، ولكنها قالت إن ضلعها قد انكسر، تقصد به موت أخيها؛ خالي ذلك الرجل الطيب الذي كانت كل أسرار أمي عنده وكل تفاصيل حياتها لديه، وهي أيضاً، كان دوماً يزورنا ويجلس معها بالساعات يتسامران. بموت خالي بات من الطبيعي أن أرى دموع أمي بدون تفسير لذلك، ولذا فقد أسرفت في هذه الدموع حتى تعبت عيناها وأصيبت بجفاف في قاع العين.
ومضت أعوام أخرى ورأيت دموع أمي منهمرة، ورأيتها ضعيفة منكسرة مثلما لم أرها من قبل. فزعت وسألتها، فأجابت بأنها سُرقت في المواصلات؛ أُخذ كل ما كانت تحمله وكل أوراقها وهويتها وكل شيء. هدأتها ولكنها كانت ترتجف ولونها شاحب وتقول بصوت عالٍ: "خلاص مش قادرة استحمل تعبت خلاص". ذهبت معها لاستخراج بدل لكل ما فقدته، وحررت معها المحاضر والشكاوى، وأكثر ما آلمني حينها أنني شعرت أن أمي صارت طفلة وبأنني أنا أصبحت الأم وهي الابن. شعور قاتل لم أتجاوزه ولكنني حاولت التأقلم معه.
وبعد استعادة الملفات والأوراق بصورتها الجديدة، ظهرت لي أم أخرى تخاف من الخروج بمفردها، وتخاف من الحديث مع الناس وحتى الجيران. أمي جعلتني كل عالمها، لا تتحدث إلا معي ولا تخرج إلا معي، أنا وأمي أصبحنا ملتصقين؛ أخاف أن أتركها وأخاف أن لا أستجيب إلى مطالبها فتحزن. دموع أمي أصبحت جزءاً من تكوين الحياة لدي.
والآن ماتت أمي وأنا لم أشبع منها، ورغماً عما سببته لي من أزمات نفسية وخلل وجداني، إلا أنني أريد أمي بكل ما فيها، حتى بدموعها التي نغصت حياتي وجعلتني دوماً في حالة الالتصاق بها كي أمسح عنها دموعها!!!